فهرس الكتاب
وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ جَمِيعَ مَا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ، بَلْ: خَفِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَا جَاءَ بِهِ، أَوْ: بَعْضُ مَعَانِيهِ، فَاجْتَهَدَ: لَمْ يُعَاقَبْ عَلَى مَا لَمْ يَبْلُغْهُ، وَقَدْ تُحْمَلُ أَخْبَارُ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ تُبَّعٍ [1] ، وَالَّذِينَ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ الإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ-مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، كَابْنِ التَّيِّهَانِ [2] وَغَيْرِهِ، عَلَى هَذَا؛ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُكَذِّبِينَ لِلْمَسِيحِ تَكْذِيبَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ.
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ: هَلْ يُمْكِنُ مَعَ الاِجْتِهَادِ وَاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ، أَنْ لاَ يُبَيَّنَ لِلنَّاظِرِ الْمُسْتَدِلِّ صِدْقُ الرَّسُولِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ-أَمْ لاَ؟ وَإِذَا لَمْ يتبينْ لَهُ ذَلِكَ: هَلْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ فِي الآخِرَةِ أَمْ لاَ؟.
وَتَنَازَعَ بَعْضُ النَّاسِ فِي الْمُقَلِّدِ مِنْهُمْ أَيْضًا، وَالْكَلاَمُ فِي مَقَامَيْنِ:
الْمَقَامُ الأَوَّلُ: فِي بَيَانِ خَطَأِ الْمُخَالِفِ لِلْحَقِّ وَضَلاَلِهِ؛ وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، عَقْلِيَّةٍ وَسَمْعِيَّةٍ، وَقَدْ يُعْرَفُ الْخَطَأُ فِي أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ الْمُخَالِفِينَ لِلْحَقِّ، وَغَيْرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، بِأَنْوَاعٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الدَّلاَئِلِ.
وَالْمَقَامُ الثَّانِي: الْكَلاَمُ فِي كُفْرِهِمْ وَاسْتِحْقَاقِهِمُ الْوَعِيدَ فِي الآخِرَة.
فَهَذَا فِيهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ لِلنَّاسِ، مِنْ أَصْحَابِ الأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ، مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، لَهُمُ الأَقْوَالُ الثَّلاثَةُ:
قِيلَ: إنَّهُ يُعَذَّبُ فِي النَّارِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ، وَإِنْ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِ رَسُولٌ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ-لِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ بِالْعَقْلِ.
(1) -أحد ملوك اليمن الصالحين، وآخرهم ملكًا، قتل عددًا من اليهود في المدينة. انظر: (البداية والنهاية) (2/ 310) ، وهامش: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) (1/ 441) تحقيق: الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي.
(2) -هو أبو الهيثم بن التيهان: مالك بن عتيك الأنصاري الأوسي، وقيل: اسمه مالك، وهو مشهور بكنيته، كان أحد النقباء ليلة العقبة، آخى النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-بينه وبين عثمان بن مظعون، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، واختلف في سنة وفاته، قيل: (سنة:20 هـ) ، وقيل: غير ذلك. انظر: (الاستيعاب) (4/ 336) ، و (الإصابة) (7/ 365) ، وهامش: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) (1/ 441) تحقيق: الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي.