فهرس الكتاب
وأما"كفر"الجهل مع عدم قيام الحجة، وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل.
الأصل الثالث: أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أُخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له.
فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئًا، ولا يتمكن من الفهم، وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة.
الأصل الرابع: أن أفعال الله سبحانه وتعالى تابعة لحكمته التي لا يخل بها سبحانه، وأنها مقصودة لغايتها المحمودة وعواقبها الحميدة) -انتهى من: (طريق الهجرتين) (ص:412/ 414) ، و (مدارج السالكين) (1/ 188) .
ثم قال الشيخ المنجد: (والخلاصة من جميع ما سبق أن الإسلام يقرر بكل وضوحرحمة الله الغالبة، وأنه عز وجل لا يعذب من لم تقم عليه الحجة الرسالية، ولا يعذب من لم تنبعث في قلبه أنوار الهداية بسبب الجهل، أو: البعد، أو: التشويه، وإنما يعذب الجاحد المعاند الظالم الذي بلغته الدعوة، وتحديد من أقيمت عليه الحجة مِن الأمر الذي تفرد به الله جل جلاله، و"لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه"على حد تعبير العلامة ابن القيم-رحمه الله تعالى.
فإذا كان بعض منظري المسيحية يؤمنون بانعدام أي حجة لمن لا يؤمن بديانتهم، اعتمادًا على ما جاء في: (رسالة بولس إلى أهل رومية) (1/ 18/20) : (لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم، الذين يحجزون الحق بالإثم. إذ معرفة الله ظاهرة فيهم؛ لأن الله أظهرها لهم؛ لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات، قدرته السرمدية ولاهوته، حتى إنهم بلا عذر) .