فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 344

فقد سبق في كلام علماء الإسلام أن ثمة موانع كثيرة من تعذيب الخلق يوم القيامة، والأعذار عند الله جل وعلا لا شأن للعباد بتضييقها.

ولكن من بلغته الدعوة، وفَهِم الحجة، ولم يؤمن بها، فعقيدتنا تقرر أنه كافر مخلد في نار جهنم، كما قال-عليه الصلاة والسلام-: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (رواه مسلم، رقم:153) .

يقول أبو العباس القرطبي-رحمه الله تعالى-في: (المفهم) (1/ 368) : (فيه دليل على أن من لم تبلغه دعوة الرسول-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-ولا أمره، لا عقاب عليه ولا مؤاخذة، وهذا كقوله تعالى:(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا) ، ومن لم تبلغه دعوة الرسول-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-ولا معجزاته، فكأنه لم يبعث إليه رسول) ... ).

وعليه فكل من كان كفره بسبب عدم بلوغه الخطاب الشرعي-طبعًا: الناتج عن عدم تقصيره وإهماله- [1] ، لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة ببلوغه الخطاب الشرعي، مع الفهم الواضح والبين.

والنصوص النقلية في هذا كثيرة: كالذي أهدى النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-خمرًا بعد تحريمها، لأنه كان يعتقد حلها، لكن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-عذره لعدم بلوغه الخطاب الشرعي الذي يحرم الخمر، ولذلك قال له-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:

(أما علمت أن الله حرمها) ، قال: لا ... [2] .

(1) -انظر: كثرة الأمثلة في كتاب: (قواعد في التكفير) (ص:59/ 60/61) .

(2) -أخرجه مسلم في: (صحيحه) (3/ 1206/رقم:1579 - كتاب المساقاة، باب: تحريم الخمر) -وصححه الشيخ الألباني في: (صحيح سنن النسائي) (4349) -. ورواه مالك، في: كتاب الأشربة، باب: جامع تحريم الخمر (2/ 846) ، وقال ابن عبد البر في: (التمهيد) (4/ 140) : (وفي هذا الحديث دليل على أن الإثم مرفوع عمن لم يعلم ... ومن أمكنه التعلم ولم يتعلم أثم والله أعلم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت