فهرس الكتاب
قال:"وقد توسع من تأخر عن القرون الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان وجعلوا كلام الفلاسفة أصلا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرها ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو من أشرف العلوم [1] . وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل ... فالسعيد من تمسك بما عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف، ثم بين موقف السلف من هذا العلم فقال:"واشتد إنكار السلف لذلك كأبي حنيفة [2] وأبي يوسف والشافعي وكلامهم في ذم أهل الكلام مشهور وسببه أنهم تكلموا فيما سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قلت وقد ثبت رجوع أناس من كبار الأشاعرة عن علم الكلام ونقض اليد منه وأعلن الرجوع عنه، ومن هؤلاء:
1 ــ الإمام الجويني رحمه الله القائل:"يا أصحابنا لا تشتغلوا بعلم الكلام فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به" [3] .
2 ــ فخر الدين الرازي: الذي أوصى وصية قبيل موته قال فيها:"لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا، إلى أن قال"ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي" [4] . وجاء في طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة [5] . ما نصه:"قال ابن الصلاح أخبرني القطب الطوغاني مرتين أنه سمع فخر الدين الرازي يقول:"ياليتني لم أشتغل بعلم الكلام وبكى"وقد نقل الحافظ ابن حجر مسلك الرازي عندما كان على منهج أهل
(1) كما زعم صاحب كتاب"الدليل القويم، ص: 4/ 5. وزعم أيضا أن أبا حنيفة والشافعي وأحمد كانوا من أئمة علم الكلام والبارعين فيه، وهذا خداع وتلبيس، وقريبا منه تجده في كتب الدكتور التونسي الشيعي، ككتاب"ثم اهتديت"وكتاب"فاسألوا أهل الذكر"وكتاب"الشيعة هم أهل السنة"إذا كان يقصد سنة اليهود والمجوس فنعم، وكتاب"لنكون مع الصادقين"أي أهل الشيعة."
(2) نعم، روي عن أبي حنيفة ذلك، ثم روي تراجعه عنه في قصة طويلة، خلاصتها: أنه قال:"وكنت أعد الكلام أفضل العلوم فراجعت نفسي وتدبرت وقلت: إن أصحاب النبي والتابعين وأتباعهم لم يخوضوا بهذا العلم بل أمسكوا عن ذلك، ونهوا أشد النهي ... فلما ظهر لنا من أمورهم ذلك تركنا الخوض في الكلام، ورجعنا إلى ما كان عليه السلف"مفتاح السعادة، ج: 2، ص: 136. نقلا عن المرغينياني و\كره في كشف البزدوي. انظر فتح الباري ج: 13. ص: 253.
(3) انظر"فتح الباري"ج: 13، ص: 350. والسير، ج: 18، ص: 474.وطبقات السبكي، ج: 3، ص: 260.
(4) المنتظم لابن الجوزي، ج: 9، ص: 19.
(5) السير، ج: 21، ص: 501.وطبقات السبكي، ج: 5، ص: 37.