فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 344

أبي عمر قال:"كنا نتردد على الآمدي فشككنا: هل يصلي أم لا؟ فنام فعلمنا على رجله بالحبر فبقيت العلامة يومين مكانها، فعلمنا أنه ما توضأ نسأل الله العافية في الدين" [1] . وصدق أبو حنيفة في حكمه على أهل الكلام بقسوة القلب والجفاء عن الدين وخلو النفس من الورع والتقوى وعدم المبالات بمخافة الكتاب والسنة"4 [2] . لقد كان الآمدي من أكثر الناس انكبابا على علم الكلام وكان يمسك التدريس بمدرسة العزيزية فلما تولى الملك الأشرف عزله عنها ونادى: ألا يشتغل أحد بغير التفسير والحديث والفقه، ومن اشتغل بعلوم الأوائل"علوم ما قبل الإسلام"نفيته، فاعتزل الآمدي وبقي في منزله حتى مات [3] ."

إن في رجوع هؤلاء العباقرة عن علم الكلام لأعظم عبرة لنا فإنهم بعد خوض غماره وسبر أغواره تبين لهم أنه داء نخر في هذه الأمة ودخل في أعظم أصول دينها وهو العقيدة بعد أن كانوا يظنون أنه سلاح يمكن الدفاع به عن الدين.

خطورة الاشتغال بعلم الكلام:

ولهذا كان يترتب على النشوء على طريقة أهل الكلام ما يلي:

1 ــ فوات معرفة السبب الحقيقي الذي خلقه الله من أجله ومعرفة أول ما يفترض على العبد معرفته وعمله، وهو عبادة الله، فإن أهل الكلام ظلوا عن معرفة ذلك حتى النظر وإعمال العقل أول الواجبات على نحو ما سترى.

2 ــ إضاعة جزء كبير من أوقات المسلمين وهدر طاقتهم في أمور لا قيمة لها ولا عمل تحتها وقسوة قلوبهم، فالجدل يقسي القلب ومن قسا قلبه ذهب ورعه وتقواه.

3 ــ فوات الاشتغال بذكر الله وتلاوة القرآن وقراءة الحديث الذي يثمر التقوى ويزيد الإيمان مما كان يمكن أن يكون له أجمل الأثر على القلب ولينه وخضوعه وخشوعه لله لو أنه اشتغل به.

4 ــ الطعن في المخالف من علماء الإسلام وأئمتهم وتكفيرهم: ليس بناء على الأصول الشرعية وإنما بناء على مذهب أرسطو.

(1) انظر سير أعلام النبلاء، ج: 22. ص: 366.

(2) السير، ج: 6. ص: 399.ومفتاح دار السعادة: ج: 2. ص: 136.

(3) البداية والنهاية، ج: 13. ص: 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت