فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 344

(يرى ابن تيمية أن المجتهد المبتدع لا يُقر على إظهار البدعة والدعوة إليها، متى تبينت مخالفتها للكتاب والسنة، بل: لا يجوز متابعته فيها، (نعم، قد يكون متأولًافي هذا الشرع، أي: الذي ابتدعه، فيُغفر له لأجل تأويله، إذا كان مجتهدًا الاجتهاد الذي يُعفى معه عن المخطئ، ويُثاب أيضًا على اجتهاده، لكن لا يجوز اتباعه في ذلك، كما لا يجوز اتباع سائر مَن قال أو: عمل عملًا قد عُلم الصواب في خلافه، وإن كان القائل أو: الفاعل مأجورًا، أو: معذورًا ... ويؤكد-رحمه الله تعالى-أنه لا يكون معذورًا من اتبع مخالفًا لأمر الله ورسوله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-مما هو ظاهر بيِّن، فيقول:(والذي يصدر عنه أمثال هذه الأمور-أي: المخالفة-إن كان معذورًا بقصور في اجتهاده، أو: غيبة في عقله، فليس مَن اتبعه بمعذور، مع وضوح الحق والسبيل، وإن كانت سيئته مغفورة، لما اقترن بها من حُسنِ قصدٍ، وعملٍ صالحٍ، فيجب بيان المحمود والمذموم، لئلا يكون لبسًا للحق والباطل)

وبيّن متى تجب المتابعة في الأمور الشرعية، ومتى تمتنع، وأحوال المجتهدين معها، فقال: إن (الأمور-الشرعية-تُعطى حقها من الكتاب والسنة، فما جاء به الكتاب والسنة من الخبر والأمر والنهي وجب اتباعه، ولم يُلْتَفت إلى مَن خالفه كائنًا مَن كان، ولم يجز اتباع أحد في خلاف ذلك كائنًا مَن كان، كما دل عليه الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، من اتباع الرسول وطاعته ... فإن كل أحد من الناس قد يؤخذ من قوله وأفعاله ويُترك إلا رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-وما من الأئمة إلا من له أقوال وأفعال -تَبَيَّنَ مخالفتها للكتاب والسنة-فهو لا يتبع عليها، مع أنه لا يُذم عليها)

أما ما (لم يُعلم قطعًا مخالفتها للكتاب والسنة، بل هي من موارد الاجتهاد، التي تنازع فيها أهل العلم والإيمان، فهذه الأمور قد تكون قطعية عند بعض من بيّن الله له الحق فيها، لكنه لا يمكنه أن يُلزم الناس بما بان له ولم يبن لهم ... وقد تكون اجتهادية عنده أيضًا، فهذه تسلم لكل مجتهد ومن قلده ... بحيث لا ينكر ذلك عليهم) .

وأما الذي لا يسلم إليه حاله فهو آتي المحرمات وتارك الواجبات، من غير تأويل سائغ أو عذر مشروع، فإنه يجب الإنكار عليه بحسب ما جاءت به الشريعة، من اليد واللسان والقلب، ويلحق به كل من أظهر مقالة تُخالف الكتاب والسنة، فإنها من المنكر الذي أمر الله بالنهي عنه، في قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (سورة آل عمران، رقم الآية: 104) .

أما مَن اشتبه أمره فيُتوقف معه، فإن الإمام أن يخطئ في العفو، خير من أن يخطئ في العقوبة، وإذا كان الاجتهاد يغفر للعالم خطأه، فإن هذا يقتضي التأدب معه، ومراعاة حقه عند إنكار ما أظهره من بدعة وبيان مخالفته للسنة، وفي هذا يقول-رحمه الله تعالى-: (وإن كان المخطئ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت