فهرس الكتاب
إلى أن قال: وقالت جماعة من أهل العلم، منهم الإمام أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-وأصحابه، وجماعة من أهل الكوفة، وسفيان الثوري، والمزني صاحب الشافعي: (إن تارك الصلاة عمدًا تكاسلًا وتهاونًامع إقراره بوجوبها لا يقتل ولا يكفر، بل: يعزر ويحبس حتى يصلي.
واحتجوا على عدم كفره بالأدلة التي ذكرنا آنفًا لأهل القول الثاني.
واحتجوا لعدم قتله بأدلة، منها حديث ابن مسعود المتفق عليه الذي قدمناه في سورة (المائدة) وغيرها: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) (رواه البخاري في:(صحيحه) (كتاب العلم، رقم:128) ، ومسلم في: (صحيحه) كتاب الإيمان، رقم:53).
قالوا: هذا حديث متفق عليه، صرح فيه النَّبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-أنه لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث، ولم يذكر منها ترك الصلاة، فدل ذلك على أنه غير موجب للقتل.
قالوا: والأدلة التي ذكرتم على قتله إنما دلت عليه بمفاهيمها، أعني: مفاهيم المخالفة كما تقدم إيضاحه.
وحديث ابن مسعود دل على ما ذكرنا بمنطوقه، (والمنطوق مقدم على المفهوم) .
مع أن المقرر في أصول الإمام أبي حنيفة-رحمه الله تعالى-: أنه لا يعتبر المفهوم المعروف بدليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة، وعليه فإنه لا يعترف بدلالة الأحاديث المذكورة على قتله، لأنها إنما دلت عليه بمفهوم مخالفتها، وحديث ابن مسعود دل على ذلك بمنطوقه.
ومنها: قياسهم ترك الصلاة على ترك الصوم والحج مثلًا، فإن كل واحد منهما من دعائم الإسلام، ولم يقتل تاركها، فكذلك الصلاة.
أما الذين قالوا بأنه كافر، وأنه يقتل، فقد أجابوا عن حديث ابن مسعود: بأنه عام يخصص بالأحاديث الدالة على قتل تارك الصلاة.
وعن قياسه على تارك الحج والصوم: بأنه فاسد الاعتبار لمخالفته للأحاديث المذكورة الدالة على قتله.