فهرس الكتاب
تيمية للاستغاثة والتوسل قول لم يقله عالم قبله، وصار به بين أهل الإسلام مُثْلةً، وقد وقفت له على كلام طويل في ذلك رأيت من الرأي القويم أن أميل عنه إلى الصراط المستقيم، ولا أتتبعه بالنقض والإبطال، فإن دأب العلماء القاصدين لإيضاح الدين وإرشاد المسلمين تقريب المعنى إلى أفهامهم وتحقيق مرادهم وبيان حكمه، ورأيت كلام هذا الشخص بالضد من ذلك، فالوجه الإضراب عنه.
وأقول: إن التوسل بالنبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-جائز في كل حال، قبل خلقه، وبعد خلقه، في مدة حياته في الدنيا وبعد موته، في مدة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة والجنة، وهو على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يتوسل به، بمعنى أن طالب الحاجة يسأل الله تعالى به، أو: بجاهه [1] ، أو: ببركته، فيجوز ذلك في الأحوال الثلاثة، وقد ورد في كل منها خبر صحيح.
أما الحالة الأولى قبل خلقه: فيدل لذلك آثار عن الأنبياء الماضين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، اقتصرنا منها على ما تبين لنا صحته، وهو ما رواه الحاكم أبو عبد الله بن البيع في: (المستدرك على الصحيحين) ، أو: أحدهما، قال: حدثنا أبو سعيد عمرو بن منصور العدل، حدثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري، حدثنا إسماعيل بن مسلمة، أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب-رضي تعالى عنه، قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: (لما اقترف آدم-عليه السلام-الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله تعالى: يا آدم وكيف عرفت محمدًا
(1) -للأسف التوسل بجاهه قال به الإمام أحمد، والشوكاني وغيرهما، مستدلين على ذلك بحديث ضعيف جدًا بلفظ: (توسلوا بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم) .
انظر: (سلسلة الأحاديث الضعيفة) (1/ 76/79/رقم:22) ، و (المشتهرة) (53) ، و (نصيحة الداعية) (10) ، و (موسوعة الأحاديث والأحاديث والآثار الضعيفة والموضوعة) (3/ 590/رقم:8381) ، وهامش: (التوضيحات الجلية لأبيات البردة والهمزية المردية) (ص:498) .