فهرس الكتاب
أُعَلِّمُهُ الرِّمايةَ كلَّ يومٍ * فلمَّا اسْتَدَّ ساعِدُهُ رماني-
حتى خَرَقَ به كلَّ سَدٍّ سُد بابُه، وأُحْكِمَ امتناعُه، فنفعُه قاصر على مدة حياته، ما لم يُصَنِّف كتابًا يُخَلَّدُ بَعْدَهُ، أو: يُورثْ علمًا ينقله عنه تلميذُه إذا وَجَد الناسُ فَقْدَه، أو: تهتدي به فئةٌ مات عنها، وقد أَلْبَسَها به الرَّشادُ بُرْدَه، ولَعَمْري إن التصنيف لأرفعُها مكانًا، لأنه أطولُها زمانًا، وأدومُها إذا مات أحيانًا.
ولذلك لا يَحْلُو لنا وقتٌ يمر بنا خاليًا عن التصنيف، ولا يَخلو لنا زمن إلا وقد تَقَلَّد عِقْدُهُ جواهِرَ التأليف، ولا يَجْلُو علينا الدهرُ ساعةَ فراغ إلا ونُعْمِل فيها القلمَ بالترتيبِ والترصيف).
س: ماذا يقصد العلامة تاج الدين عبد الوهاب بن أبي الحسن السبكي بـ (الترتيب) في قوله: (ونُعْمِل فيها القلمَ بالترتيبِ) ؟ ج: قال الشيخ عبد الله بن حسين العدوي المالكي في: (حاشية لَقْطِ الدُّرر بشرح نخبة الفكر) (ص:44) من مطبوعات: مؤسسة الثقافة: (والترتيب: جَعْلُ كل شيء في مرتبته بحيث يصير له نسبة بالتقدم والتأخر) .
وقال الشيخ بدر الدين الزركشي-رحمه الله تعالى-في: (قواعده) (3/ 35) : (من فروض الكفاية تصنيف الكتب لمن منحه الله فهمًا واطلاعًا، ولن تَزَالَ هذه الأمة، مع قصر أعمارها في ازديادٍ وترقٍّ في المواهب، والعلم لا يحل كتمه، فلو ترك التصنيف، لضيع العلم على الناس) .
قال الإمام النووي-رحمه الله تعالى-في: (المجموع شرح المهذب) (في باب: آداب العالم) (1/ 29/30) ، وعنه شيخنا العثيمن في: (شرح مقدمة المجموع) (ص:96/ 98 - آداب المعلم) : (وينبغي أن يعتني بالتصنيف إذا تأهل له، فبه يَطّلِع على حقائق العلم ودقائقه، ويَثْبُتُ معه، لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش والمطالعة، والتحقيق والمراجعة، والاطِّلاع على مختلَف كلام الأئمة ومُتَّفِقِه وواضحه من مشكله،