الصفحة 40 من 49

مخوفة، عَلِمَ هو وكلُّ سامع أنَّ قَصْدَه أعم من لفظه، وأنه أراد نهيَه عن كل طريق هذا شأْنُها، فلو خالفه وسلك طريقًا أخرى عَطِبَ بها حَسُنَ لَوْمُه، ونُسِبَ إلى مخالفته ومعصيتِه، ولو قال الطبيب للعليل وعنده لحم ضأن: لا تأكل الضأنَ فإنه يزيد في مادة المرض، لَفَهِم كلُّ عاقل منه: أن لحم الإبل، والبقر كذلك، ولو أكل منهما لَعُدَّ مخالفًا، والتحاكُم في ذلك إلى فِطَر الناس وعقولهم-العقول السليمة طبعًا-ولو منَّ عليه غيره بإحسانه فقال: والله لا أكلت له لقمةً، ولا شرِبت له ماءً، يريد خلاصه من مِنَّته عليه، ثم قبل منه الدراهم، والذهب، والثياب، والشاة ونحوها لَعَدَّه العُقلاءُ واقعًا فيما هو أعظم مما حَلَفَ عليه، ومُرتكبًا لذروة سَنَامِه، ولو لاَمَه عاقلٌ على كلامه لمن لا يليق به محادثته من امرأة، أو: صبي فقال: والله لا كلَّمته، ثم رآه خاليًا به يؤاكله، ويشاربه، ويعاشره، ولا يكلمه لَعَدُّوه مرتكبًا لأشدِّ مما حلف عليه، وأعظمه ...

فمَن عَرف مرادَ المتكلِّم بدليل من الأدلة وجب اتباعُ مراده، والألفاظ لم تُقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يُستدَل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مرادُه، ووضَحَ بأي طريق كان، عُمِلَ بمقتضاه، سواء كان بإشارة، أو: كناية، أو: بإيماءٍ، أو: دلالة عقلية، أو: قرينة حالية، أو: عادة له مطَّردة لا يُخِل بها، أو: من مقتضى كماله، وكمال أسمائه، وصفاته، وأنه يمتنع منه إرادةُ ما هو معلوم الفساد، وتركُ إرادة ما هو متيقَّن مصلحته، وأنه يُستدَلُّ على إرادته للنظير بإرادة نظيره ومثلِه ومُشْبِهِه، وعلى كراهة الشيء بكراهةِ مثلِه ونظيرِه ومُشْبِهِه، فيقطع العارفُ به وبحكمته، وأوصافه على أنه يريد هذا، ويكره هذا، ويحب هذا، ويبغض هذا.

وأنت تجد من له اعتناء شديد بمذهب رجل، وأقواله كيف يفهم مرادَه من تصرفه، ومذاهبه؟ ويُخبر عنه بأنه يُفتي بكذا ويقوله، وأنه لا يقول بكذا، ولا يذهب إليه، لما لا يوجد في كلامه صريحًا، وجميع أتباع الأئمة مع أئمتهم بهذه المثابة.

وهذا أمرٌ يَعُمُّ أهلَ الحق، والباطل لا يمكن دفعه، فاللفظ الخاص قد ينتقل إلى معنى العموم، والعام قد ينتقل إلى الخصوص بالإرادة، فإذا دعي إلى غَداء، فقال: والله لا أتغدى، أو: قيل له: والله لا أشرب-فهذه كلها ألفاظ عامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت