الصفحة 41 من 49

نقلت إلى معنى الخصوص بإرادة المتكلم التي يقطع السامع عند سماعها بأنه لم يرد النفي العام إلى آخر العمر، والألفاظ ليست تعبدية ... ).

ومرة قال العلامة ابن القيم-رحمه الله تعالى [1] :(وأصحاب الرأي والقياس حَمَّلوا معاني النصوص فوق ما حَمَّلها الشارعُ، وأصحابُ الألفاظ ِوالظواهر قصَّروا بمعانيها عن مراده، فأولئك قالوا: إذا وقعت قَطرة من دم في البحر، فالقياس أنه يَنْجُسُ، ونَجَّسُوا بها الماء الكثير مع أنه لم يتغير منه شيء ألبتة بتلك القَطْرَة.

وهؤلاء قالوا: إذا بال جَرَّةً من بول وصبها في الماء لم تُنَجِّسْه، وإذا بال في الماء نفسِه ولو أدنى شيء نَجَّسَه، ونَجَّسَ أصحابُ الرأيِ والمقاييسِ القناطيرَ المقنطرةَ ولو كانت ألفَ ألفِ قِنطار من سَمْن، أو: زيت، أو: شَيْرَج-الشَّيْرْج: دُهْنُ السِّمْسِمْ-بمثل رأس الإبرة من البول، والدم، والشعرة الواحدة من الكلب، والخنزير عند من يُنَجِّس شعرهما.

وأصحاب الظواهر والألفاظ عندهم لو وقع الكلب، والخنزير بكماله، أو: أيُّ ميتة كانت في أي ذائب كان من زيت، أو: شَيْرَج، أو: خَلٍّ، أو: دِبْس-الدِّبْس: ما يَسيلُ من الرُّطَب، أو: عَسَلُ التمر-أو: وَدَكَ غير السمن ألقيت الميتة فقط، وكان ذلك المائع حلالًا طاهرًا كلَّه، فإن وقع ما عدا الفأرة في السَّمْنِ من كلب، أو: خنزير، أو: أيِّ نجاسة كانت، فهو طاهر حلال ما لم يتغير).

إلى أن قال: ( ... والصواب أن كل ما دخله المال فهو فدية بأي لفظ كان، والألفاظ لم ترد لذواتها ولا تعبدنا بها، وإنما هي وسائل إلى المعاني، فلا فرق قط بين أن تقول:"اخلعني بألف"، أو:"فادني بألف"لا حقيقة ولا شرعًا، ولا لغة، ولا عرفًا ... فإن الحقائق لا تتغير بتغيير الألفاظ، وهذا باب يطول تتبعه.

والمقصود أن الواجب فيما علق عليه الشارع الأحكام من الألفاظ والمعاني أن لا يتجاوز بألفاظها ومعانيها، ولا يقصر بها، ويعطي اللفظ حقه والمعنى حقه، وقد مدح الله-تعالى-أهل الاستنباط في كتابه وأخبر أنهم أهل العلم، ومعلوم أن

(1) -كما في: (إعلام الموقعين عن رب العالمين) (1/ 443/448/ 449) من مطبوعات: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، أو: (2/ 392/397) من مطبوعات: دار ابن الجوزي، تحت عنوان: (القياسيون والظاهرية مفرطون) ، و (وجوب إعطاء اللفظ والمعنى حقَّهما) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت