فهرس الكتاب
الاستنباط إنما هو استنباط المعاني والعلل ونسبة بعضها إلى بعض، فيعتبر ما يصح منها بصحة مثله ومشبهه ونظيره، ويلغى ما لا يصح، هذا الذي يعقله الناس من الاستنباط.
قال الجوهري [1] : الاستنباط (كـ) الاستخراج، ومعلوم أن ذلك قدر زائد على مجرد فهم اللفظ، فإن ذلك ليس طريقة الاستنباط: إذ موضوعات الألفاظ لا تنال بالاستنباط، وإنما تنال به العلل والمعاني والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلم، والله-سبحانه-ذم من سمع ظاهرا مجردًا فأذاعه وأفشاه، وحَمِد مَن استنبط من أولي العلم حقيقته ومعناه.
ويوضحه أن الاستنباط استخراج الأمر الذي من شأنه أن يخفى على غير مستنبطه، ومنه استنباط الماء من أرض البئر والعين، ومن هذا قول علي بن أبي طالب-رضي الله تعالى عنه-وقد سئل: (هل خصكم رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-بشيء دون الناس؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدًا في كتابه) [2] .
ومعلوم أن هذا الفهم قدر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه، أو: خصوصه، فإن هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة العرب، وإنما هذا فهم لوازم المعنى ونظائره ومراد المتكلم بكلامه ومعرفة حدود كلامه، بحيث لا يدخل فيها غير المراد، ولا يخرج منها شيء من المراد ... ).
وقد سئل مرة هذا السؤال [3] : (هل الاعتبار بظواهر الألفاظ والعقود وإن ظهرت المقاصد والنيات بخلافها أم للقصود والنيات تأثير يوجب الالتفات إليها ومراعاة جانبها؟) : فأجاب: وقد تظاهرت أدلة الشرع وقواعده على أن القصود في العقود معتبرة ... ).
وبين العلامة ابن القيم [4] أن الظاهرية راعوا ظواهر الألفاظ ولم يراعوا المقاصد والمعاني، بخلاف جمهور أهل الحديث، والأحكام نِيطَتْ بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
(1) -كما في: (الصحاح) (3/ 1162) (مادة: نبط) ، أو: (مادة: خرج) .
(2) -رواه البخاري في: (صحيحه) كتاب العلم، باب: كتابة العلم، رقم:111 - وكتاب الجهاد: باب: فكاك الأسير، رقم:3047 - وكتاب الديات: باب: العاقلة، رقم:6903 - وباب: لا يقتل مسلم بكافر، رقم:6915).
(3) -كما في: (إعلام الموقعين) (1/ 218) .
(4) -كما في: (إعلام الموقعين) (1/ 98/109/ 111/122) .