ذلك حاربوهم وقتلوهم وسجنوهم وشردوهم، مع أن هذا مما يسوؤنا ويحزننا ومعاذ الله أن نظهر شماتة في أحد، ولكن لعل الله قدر ذلك رحمة بهم عساهم أن يراجعوا أنفسهم ويصححوا مسارهم.
والمعنى الثاني الذي أريد ذكره وتوضيحه هو أن إدارة هذا الصراع مع قوى الباطل لم تُترك لأهواء البشر، يفعل من يشاء ما يشاء، وإنما حده الله بحدود وضبطته الشريعة بضوابط، ومن هنا نعلم أن ما يدندن البعض حوله ويسمونه بالطرق الديمقراطية، ما هو إلا وجه من أوجه الانحراف ومخالفة الشرع، وهي طرق منحرفة، لن يجني من يسير فيها خيرًا، ومع أن هذا الأمر واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، إلا أن البعض أبى أن يقبله وأصر على السير في هذه الطرق، إلى أن أثبتت الأحداث بما لا يدع مجالًا لشك مرتاب، ولا لجدال مجادل أنّ هذه الطرق ليست الطرق الصحيحة للتمكين للدين وتحكيم الشريعة، ورب ضارة نافعة.
والمعنى الثالث الذي أريد إيضاحه هو أن ما يحدث في مصر قد أثبت أنه لم يكن هناك ثورة بمعناها الحقيقي، وإنما هو مشروع ثورة قد أجهض، ومحاولة للخلاص من الظلم قد فشلت، وإن النظام الذي تأسس وتعمق على مدى عشرات السنين لم يزل هو صاحب الكلمة وصاحب السيطرة، ولاشك أن الكثيرين يقولون ذلك، وهو شيء واضح لكل ذي عينين، ولكن الشأن في تعريف المقصود بهذا النظام، وقد كُفينا ولله الحمد مؤنة تعريفه وتحديد أطرافه بعد أن وقفوا في صف واحد وتخندقوا في خندق واحد، من جيش عميل وشرطة مجرمة وقضاء فاسد وإعلام مأجور، وعلماء سوء، ودعاة على أبواب جهنم، ورعاع ينعقون خلف كل ناعق، وغيرهم كثير مما يطول حصر أنواعهم وتوجهاتهم، وكلهم اجتمعوا على هدف واحد هو محاربة هذا الدين واجتثاث أهله ومنع التمكين له؛ خدمة لأعدائه من يهود وصليبيين وموالاة لهم، فكلهم عملاء، خانوا دينهم وأمتهم واستحلوا دماء أبنائها، وحال هؤلاء يغني عن وصفهم وإثبات ما نقوله عنهم، وهؤلاء هم جنود الطغاة وإرثهم الذي ابتليت به الأمة، وقد صنعوهم على أعينهم وربوهم على طغيانهم، ليحموا عروشهم ومصالح أسيادهم من اليهود والصليبيين، ويقهروا بهم عباد الله المستضعفين، فمن السذاجة أن يظن بهؤلاء خيرًا، أو أنهم سيحقون حقًا أو يبطلون باطلًا أو يرفعون ظلمًا، وهم أعداء الحق وحماة الباطل ويد الظلم التي يبطش بها.
وقد كان من حنق هؤلاء على الإسلام أن حاربوا كل ما يمت إليه بصلة، وإن كان على غير النهج الصحيح والطريق القويم. وقد أثبت هؤلاء المجرمون بأفعالهم وأقوالهم فشل ما يسمى بالطرق السلمية؛