الصفحة 7 من 16

الصفة الثالثة للرجال إيثار الآخرة على الدنيا: قال تعالى: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور:36 - 37]

فالرجال هم أهل المساجد، المعلّقة قلوبهم بالمساجد، - الذين جعلوا الدنيا في أيديهم والآخرة في قلوبهم قرأوا قول الله تعالى: {لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون:9] .

فعلموا أن الأموال قد تُلهي عن طاعة الله والزوجة والأولاد قد يُلهيان عن طاعة الله ولذا يقول تعالى: {فِي بُيُوتٍ} [النور:36] أي: مساجد.

{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور:36] شاء الله أن ترفع.

{وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور:36] اسمه عزوجل وحده لا شريك له.

{يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور:36] أين الفاعل؟! مَن الذي يُسبح؟! {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور:36] غُدوةً وأصيلًا، مَن الذي يُسبح؟! مَن في هذه المساجد يُسبِّح الله عزوجل؟! {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور:36 - 37] : مَن في هذا المسجد؟! إنهم رجالٌ، ثم جاءت بقية الصفات.

قال ابن كثير رحمه الله: قوله: {رِجَالٌ} : فيه إشعار بِهِمَمِهِم السامية، ونياتهم وعزائمهم العالية، التي بها صاروا عمَّارًا للمساجد التي هي بيوت الله في أرضه.

{يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ} يسبحون الله في المساجد، وما هي صفاتهم الأخرى؟ قال الله تعالى: {لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور:37] .

أيها المسلمون: هؤلاء هم الرجال الذين لم تلههم تجارة ولا بيع عن أي شيء؟ عن ذكر الله، وإقام الصلاة.

قال بعض السلف رحمه الله: يبيعون ويشترون -هؤلاء الرجال- يبيعون ويشترون؛ ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه، وأقبل إلى الصلاة.

مر عمرو بن دينار رحمه الله ومعه سالم بن عبد الله، قال: كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد، فمررنا بسوق المدينة، وقد قاموا إلى الصلاة، وخَمَّروا متاعهم، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد] لم يجلسوا أمامها ليحرسوها، أو لينظروا فيها، أو أغلقوا الدكاكين وقعدوا على الرصيف في الطريق ينتظرون متى تنتهي الصلاة حتى يكون كل واحد منهم أول من يفتح الدكان، تركوا أمتعتهم في الشارع، وغطوها في السوق، وذهبوا إلى المسجد فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد، فتلا هذا الآية: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور:37] ، ثم قال: هم هؤلاء الذين عنى الله بقوله في هذه الآية، هؤلاء الذين قدَّموا مراد الله على مراد أنفسهم، وآثروا طاعة الله على المتاع الدنيوي الزائل، آثروا الاستجابة لهذا النداء العلوي الرباني: حي على الصلاة، حي على الفلاح، على نداء الجشع والطمع الذي يثيره الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء.

أيها المسلمون: كم من الرجال اليوم يقعدون في محلاتهم ودكاكينهم، أو يدخُلون ربما بيوتهم ويتركون نداء الله، يتركون المسجد، لا يجيبون داعي الله إليه، لماذا أيها الإخوة؟! هل يُسَمَّى هؤلاء رجالًا؟! كلا.

إنهم أشباه الرجال ولا رجال.

الرجولة أن لا تشغلك الدنيا عن الآخرة كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يخطب على المنبر، فجاءت عير، فخرج الأصحاب ولم يبق إلا اثني عشر، فقال عليه الصلاة والسلام: «والله لو تتابعتم فلم يبق منكم أحد، لسال بكم الوادي نارا» ، وأنزل الله قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة:11] .

الصفة الرابعة للرجال في القرآن الدفاع عن أولياء الله والدعاة إلى الله: قال تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى} [القصص:20] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت