فصْلٌ
فِي فَضيلةِ الرِّحلةِ في طَلَبِ العِلْمِ
لم يَزَلِ العلماءُ قديمًا وحديثًا وهم يُسافرونَ إلى الأمصارِ، ويَجُوبُونَ الفَيَافِيَ، ويَقْطَعُونَ البحارَ طَلَبًا للعلْمِ الشريفِ مِنْ مَظَانِّهِ، واقتباسًا لهُ مِنْ أماكنِهِ. وقدْ رَحَلَ جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ إلى عبدِ اللَّهِ بنِ أُنَيْسٍ لِيَسْمَعَ منهُ حديثًا واحدًا مَسيرةَ شهْرٍ، كما ذَكَرَهُ البخاريُّ.
وقدْ وَرَدَ في فَضيلةِ الرحلةِ إلى طلَبِ العلْمِ آثارٌ؛ منها ما رَوَاهُ الإمامُ أبو عمرَ بنُ عبدِ الْبَرِّ عنْ زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ مِنْ مُرادٍ يُقالُ لهُ: صَفوانُ بنُ عَسَّالٍ إلى رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهوَ في المسجدِ مُتَّكِئٌ على بُرْدٍ لهُ أحمرَ.
قالَ: فقُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي جِئْتُ أَطْلُبُ العلْمَ، قالَ: (( مَرْحَبًا بِطَالِبِ الْعِلْمِ، إِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَتَحُفُّ بِهِ الْمَلائِكَةُ وَتُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، فَيَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغُوا السَّمَاءَ الدُّنْيَا مِنْ حُبِّهِمْ لِمَا يَطْلُبُ، فَمَا جِئْتَ تَطْلُبُ؟ ) ).
قالَ: قُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، لا أَزَالُ أُسافِرُ بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، فأَفْتِنِي عن المَسْحِ على الْخُفَّيْنِ. وذَكَرَ الحديثَ.
وعنْ جَمِيلِ بنِ قَيسٍ، أنَّ رَجُلًا جَاءَ مِن المدينةِ إلى أبي الدَّرْدَاءِ وهوَ بدِمَشْقَ، فسألَهُ عنْ حديثٍ، فقالَ لهُ أبو الدَّرْدَاءِ: ما جاءَتْ بكَ حَاجَةٌ، ولا جِئْتَ في طَلَبِ التجارةِ، ولا جِئْتَ إلاَّ في طَلَبِ الحديثِ؟ فقالَ الرجلُ: بَلَى، فقالَ أبو الدَّرْدَاءِ: أَبْشِرْ؛ فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقولُ: (( مَا مِنْ عَبْدٍ يَخْرُجُ يَطْلُبُ عِلْمًا إِلاَّ وَضَعَتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا، وَسُلِكَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُ يَسْتَغْفِرُ لِلْعَالِمِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، وَلَكِنَّهُمْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ) ).
ومَا أَحْسَنَ ما قيلَ:
العلْمُ مِيراثُ النَّبِيِّ كذا أَتَى بالنَّصِّ والعلماءُ هُمْ وُرَّاثُهُ
ما خَلَّفَ المُخْتَارُ غيرَ حَدِيثِهِ فِينَا فذاكَ مَتَاعُهُ وأَثَاثُهُ
قالَ سعيدُ بنُ الْمُسَيِّبِ: إنْ كُنْتُ لأَسِيرُ الليالِيَ والأيَّامَ في طلَبَ الحديثِ الواحدِ.
وقالَ بِشْرُ بنُ عُبيدِ اللَّهِ الحضرميُّ: إنْ كُنْتُ لأَرْكَبُ إلى الْمِصْرِ مِن الأمصارِ في الحديثِ الواحدِ لأَسْمَعَهُ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: لوْ أنَّ رَجُلًا سافَرَ مِنْ أَقْصَى الشامِ إلى أَقْصَى اليمَنِ لِيَسْمَعَ كلمةَ حِكمةٍ، ما رَأَيْتُ أنَّ سَفَرَهُ ضاعَ.
وقالَ قيسُ بنُ عُبادةَ: خرجْتُ إلى المدينةِ أَطْلُبُ العلْمَ والشرَفَ.
فَهِمَّةُ ذَوِي الْهِمَمِ العاليَةِ ما تَدَعُهُم يَرْضَوْنَ بالدُّونِ، بلْ تَحْمِلُهُم إلى طلَبِ الْمَجْدِ في أيِّ مَكانٍ يَكُونُ.
انْظُرْ إلى قولِ القائلِ الْمُصيبِ غيرِ الفَائِلِ:
قَوِّضْ رِكَابَكَ عنْ أرْضٍ تُهَانُ بِهَا وجانِبِ الذُّلَّ إنَّ الذُّلَّ يُجْتَنَبُ
وارْحَلْ إذا كانَ في الأوطانِ مَنْقَصَةٌ فالْمَنْدَلُ الرَّطْبُ في أَوْطَانِهِ حَطَبُ
وكما أنَّ العلماءَ يَرْحَلونَ لطلَبِ العلْمِ كذلكَ يَرْحَلونَ لِنَشْرِهِ وتَعليمِهِ، فقدْ يكونُ العالِمُ بينَ عامَّةٍ لا يَعُونَ الخيرَ ولا يَقْبَلُونَ، أوْ بينَ حَسَدَةٍ يُنافسونَهُ، فيَحْمِلُهُ ذلكَ على مُفارَقَةِ أوطانِهِ، والبعْدِ عنْ مَعَاهِدِ أهلِهِ وجِيرانِهِ.
وقدْ قالَ العُلماءُ: أزْهَدُ الناسِ بالعالِمِ جِيرانُهُ وأهْلُ بَيتِهِ. وفي هذا المعنى يقولُ الإمامُ ابنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ يُخَاطِبُ قاضيَ الجماعةِ بقُرْطُبَةَ: