الصفحة 164 من 262

العبادة )) ، وهذه الرواية صحيحة، وفي روايةٍ أخرى فيها كلامٌ: (( الدعاء مخُ العبادة ) )؛ والمعنى واحدٌ؛ أي: إنَّ الدعاء كلهُ هو عبادةُ الله.

وأخطر المسائل التي زلَّتْ فيها الأقدام، وزاغتْ فيها العقول والأفهام، وكثرتْ فيها الأوهام؛ إنما هو الدعاء؛ فالبعض من الناس يلجأ إلى ميّتٍ في قبره، وهو ينتسبُ إلى الإسلام, يلجأ إلى ميّتٍ في قبره؛ فيسأله قضاء الحاجات، وكشف الكُربات، وإزالة الملمات. انتبهت -يا عبد الله-؟

ولِذلك فإن الدعاء العظيم له شروطٌ حتى يكون مُستجابًا؛ لأن الكثير من الناس؛ يقول:"أنا دعوتُ ودعوتُ ودعوتُ؛ فلم يُستجبْ لي"، وهذا مما يُخل بالشروط؛ الاستبطاء واليأس ونحو ذلك.

وأول شروط الدعاء: الإخلاص لله -سبحانه وتعالى-؛ بأن لا يدعو غير الله، ولا يسأل إلّا الله، وأن لا يذبح إلّا لله، وأن لا ينذر إلّا لله، وأن لا يستغيث إلّا باللهِ، وأن لا يُعلِّق جميع حوائجه إلّا بالله -سبحانه وتعالى-، ولا يلجأ إلى أحد سواه، ومَنْ توكل على الله كفاه.

والإخلاص يناقِضُه الشرك، والتعلق بغير الله؛ كدعاء الأموات والأحياء، والجمادات أو النباتات، أو الشجر والحجر، أو التُراب والمدر، أو الملائكة والنبيين، أو نحو ذلك؛ فإن هذا الأمر -أعني: الدعاء- من أعظم أنواع العبادة التي لابُد فيها مِنَ الإخلاص لله -تبارك وتعالى, وقد يستغرب، وقد يتساءل مُتسائل: هل هناك مَنْ يدعو غير الله؟ هل يُتصوَّر أن مسلمًا يدَّعي الإسلام يدعو غير الله؟ نعم -يا عبد الله- يُوجد، كثير من الناس يشهدون لا إله إلّا اللهُ وأن محمد رسول الله، ويُقيمون الصلاة، ويُؤتون الزكاة، ويصومون رمضان، يحجّون البيت، ومع ذلك يدعون غير الله! فلذلك لا يقبل الله مِنْ أحدهم صرفًا ولا عدلًا؛ وإنما أتعب نفسه فقط؛ فيتوجه إلى ميّتٍ في قبره؛ فيُعلِّق حوائجَهُ به؛ بل تسمع مَنْ يقول: مدد يا فُلان! أغثني يا فلان! أنا في حماك يا فلان! ألتجئُ إليك يا فُلان! خذ بيدي يا فُلان! مِنَ المخلوقين أحياءً كانوا أوْ أمواتًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت