وأما إلزام من يتعامل مع الكفار على هذا الأساس أنه لابد أن تكون عنده مودة أو موالاة؛ فهذا افتياتٌ على من أجمع عليه علماء المسلمين، وقولٌ على الله بغير حق، ومخالفة للنصوص الشرعية من كتاب الله -عزّ وجل- وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، الذي أباح التعامل بين الناس مسلمهم وكافرهم في أمور الدنيا، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (( والله لا يدعونني لشيء فيه تعظيمٌ لحرمات الله إلا وأجبتهم عليه ) )أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
فكونِ بعض الشباب يتسرع ويُسمِّي هذا موالاة أو تولي هذا غير صحيح، أو يُلزِم من تعامل مع الكفار بأنه موالي لهؤلاء الكفار، فهذا غير صحيح.
كذلك في مسألة الوفاء بالعهد؛ حذيفة -رضي الله عنه- أسره المشركون هو وأبوه -مشركو قريش-، فطلبوا منهم أن يخلُّوا سبيلهم، قالوا بشرط: أن تذهبوا إلى المدينة -أو إلى يثرب كما يقولون- ولا تذهبوا إلى محمد وأصحابه في بدر، صلى الله عليه وسلم، فأعطوهم العهد على أن يذهبوا إلى المدينة ولا يذهبوا إلى بدرٍ إلى القتال، فجاء حذيفةُ وأبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه الخبر، مع حاجة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقاتلين، مع كثرة عدد الكفار، وقلَّةِ عدد المسلمين؛ فقال لحذيفة وأبيه: (( اذهبوا إلى المدينة، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم ) ) [1] .
فلم يقل أحد من المسلمين بأن التعامل مع الكفار أنه يُعطي نوع مودة أو يُفضي إلى المودة، أو تلزم منه المودة، أو تلزم منه الموالاة، وأن شراء بضاعةٍ من الكُفَّار أنه موالاة لهؤلاء الكفار، هذا كله من الافتيات على الله
(1) عن حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ قَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ؛ فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ؛ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ؛ فَقَالَ: (( انْصَرِفَا، نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ ) ). رواه مسلم: 3342.