الصفحة 7 من 47

وقال ابن جرير الطبري: [حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وكلوا واشرَبوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل"، فهما عَلَمان وحدَّان بَيِّنان فلا يمنعكم أذانُ مُؤذِّن مُراءٍ أو قليل العقل من سَحُوركم، فإنهم يؤذنون بهجيع من الليل طويل، وقد يُرى بياضٌ ما على السحر يقال له:"الصبح الكاذب"، كانت تسميه العرب، فلا يمنعكم ذلك من سَحوركم، فإن الصبح لا خفاء به: طريقةٌ مُعترِضة في الأفق، وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الصبح، فإذا رأيتم ذلك فأمسكوا] .

وفي مصنف ابن أبي شيبة: حدثنا الثقفي عن خالد عن عكرمة قال: [كل حتى تراه مثل شق الطيلسان] .

وفي مصنف ابن أبي شيبة: حدثنا أبو داود الطيالسي عن يزيد بن زيد قال سمعت الحسن وقال له رجل أتسحر وأَمْتَرِي في الصبح؟، فقال: [كل ما امْتَرَيْتَ انه والله ليس بالصبح خفاء] .

وقال ابن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون عن عمران عن أبي مجلز قال: [الساطع ذلك الصبح الكاذب ولكن أذا انْفَضَحَ الصبح في الأفق] .

وفي مصنف ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن سعيد عن التيمي عن ابن سيرين، قال: [يكون بين سحور الرجل وبين إقامة المؤذن قدر ما يقرأ سورة يوسف] . قلت: وهذه كلها آثار صِحاح.

قلت: ولهذا كان أسعد الأقوال بالأدلة قول من قال: بأن جعل أذانين للصبح، كان خاصا برمضان، وهذا مذهب أبي حنيفة وغيره، وعليه فالمتأمل في الأدلة، ويتذكر أن ليس هناك أذان لغير وقت صلاة ومكتوبة، يقطع بأن بلالا - رضي الله عنه - كان يؤذن في أول دخول وقت صلاة الصبح؛ ليرد القائم ويوقظ النائم، ثم لا يؤذن ابن أم مكتوم إلا بعد انفجار الضوء، وانتشاره على رؤوس الجبال، وظهور المعترض الأحمر في الأفق، والذي حمرته من أثر الشمس.

وتأمل في قول الترمذي رحمه الله فيما تقدم إذ قال: [وبه يقول عامة أهل العلم] ؛ لتعلم أنه قول مشهور معروف، وبه قال جماهير أهل العلم في زمان الترمذي أو قبله؛ ولتعلم أن اعتبار هذا القول مغمور، هو إجحاف وخطأ ظاهر، بل ونسبة القول بخلافه إلى الجمهور بهذا الإطلاق، هو قول فيه نظر كبير.

وعليه فالأمر بالإمساك بظلمة عند أول بزوغ الفجر الصادق هو من التضييق على الأمة، ومن إيقاعها في الحرج المنفي عنها، ومن اختيار أشد الأمرين، مع ثبوت كليهما، وهذا مخالف لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما في الصحيحين واللفظ لمسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنَ الآخَرِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ) .

نَعَمْ إن للعبد أن يُمْسِكَ من أول بُزُوغِ الفجر، بل وله أن يُمْسِكَ حتى من الليل قبل الفجر، ولكن كذلك له أن يَتَمادَى إلى آخر وقت الإمساك، وهو عندما ينتشر الضوء ويستطير، فليس لنا أن نُحَجِّرَ عليه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت