شاهدٌ شرعيٌّ بالاعتبار. وطرق الاعتبار الشرعي للعلة تتعدَّد فأحيانا يشهد الشارع لعين العلة أو لجنسها أو لجنس جنسها وهكذا.
والحاصل أنَّ الغرض، وإن كان للعقل في تحديده دورٌ كبير، إلا أنه في نهاية المطاف شرعيٌّ توقيفي، فدور العقل جاء فيه من بعد دور النَّقْل، فهو تابعٌ لا متبوع. قال الغزالي:
(( أصل تعليل الحكم وإثبات عين العلة ووصفها لا يمكن إلا بالأدلة السَّمعية؛ لأن العلة الشرعية علامة وأمارة لا توجب الحكم بذاتها، إنما معنى كونها علةً نَصْبُ الشرع إيَّاها علامة، وذلك وضعٌ من الشَّارع، ولا فرق بين وضع الحكم وبين وضع العلامة ونصبها أَمارةً على الحكم فالشِّدَّة التي جُعلت أمارة التَّحريم [للخمْر] يجوز أن يجعلها الشَّرع أمارة الحِلّ فليس إيجابها لذاتها ...
فإن قيل: فالحكم لا يثبت إلا توقيفا ونصًَّا فلتكن العلة كذلك. قلنا: لا يثبت الحكم إلا توقيفا، لكن ليس طريق معرفة التوقيف في الأحكام مجرد النص بل النص والعموم والفحوى ومفهوم القول وقرائن الأحوال وشواهد الأصول وأنواع الأدلَّة، فكذلك إثبات العلة تتَّسع طرقه ولا يُقتصر فيه على النص )) [1] .
2.للغرض اعتباران: قبلي وبعدي:
لأيِّ غرض من الأغراض البشرية وُجُودان:
• الوجود الأول: قبل الفعل، ووجود الغرض في هذه الحالة هو وجود ذهني، وهاهنا قد يُعبَّر عنه بالنية الباعثة.
• والوجود الثاني: بعد الفعل، ووجود الغرض في هذه الحالة وجودٌ خارجي حقيقي. وقد يُعبَّر عنه بالفائدة أو الثَّمرة أو النتيجة.
فمن قام بزيارة صديقٍ له ليقترض منه مالا، يُنظر إلى غرضه من فعل الزيارة من جهتين:
• إحداهما: جهة قيام نية الاقتراض في نفسه قبل قيامه بالزيارة.
• والجهة الأخرى: جهة حصول عملية الاقتراض في الواقع الخارجي بعد الزيارة.
(1) الغزالي، المستصفى، ص 305.