الصفحة 34 من 69

فَنِيَّة الاقتراض، وعملية الاقتراض كلاهما يُسمَّى غَرَضًا باعثًا، وإن اختلفت نسبتاهما من الفعل قبلا وبعدا، وحقيقتاهما في الوجود ذهنا وواقعا.

ولأجل هذا قالوا: أوَّل الفكر آخرُ العمل، والعلة الغائية هي علة في الذهن معلولةٌ في الخارج. قال الزركشي: (( العلة الغائية لها تقدُّمٌ في الذهن وتأخُّرٌ في الوجود، كما تقول: أكل فشبع، فالشبع متأخِّر في الوجود متقدم في الذهن ) ) [1] .

فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للأغراض البشرية فكذلك هو حال الأغراض الشرعية، إلا أن تقدُّمَ الغرض الباعث على الفعل عند البشر تقدُّمٌ في الزَّمَن والرُّتْبة، أما في حق الشارع فتقدُّم الغرض على تشريع الحكم يعتمد على القول بقدِمِ الحكم أو حدوثه [2] ، فمن قال بحدوث الحكم الشرعي كالمعتزلة، يلزمه القول بتقدُّم الغرض عليه زمنا ورتبة، تمامًا كما هو الحال في الغرض البشري. وأما من قال بقِدَم الحكم الشرعي، كما هو رأي الجمهور، فيلزمه القول بأن تقدُّم الغرض على الحكم إنما هو تقدُّم في الرتبة فحسب لا في الزمن لأن الحكم والغرض كليهما قديم فلا يتصور تفاوت زمني بينهما، وهذا يشبه حال العلة العقلية مع معلولها، كحركة اليد التي هي علة لحركة الخاتم، فتقدم حركة اليد على حركة الخاتم إنما هو في الرتبة فقط لأن حركة اليد هي العلة المؤثِّرة في حركة الخاتم، أما من حيث الزمن فلا تقدم لأحدهما على الآخر بل هما متزامنتان.

وفي مجاري كلام الفقهاء والأصوليين عند التعليل بالأغراض عادةً ما يعبِّرون عن الغرض باعتباره البعدي، وقَلَّ أن يعبروا عنه بالاعتبار القبلي، فيقولون، مثلا: علة تحريم الخمر هي دفع السكر، ولا يقولون: إرادة دفع السكر أو قصد دفع السكر، مع أن الغرض بوصفه علة هو الإرادة والقصد. أما بوصفه أثرا ونتيجة فهو معلول لا علة كما أسلفنا، ولكن جرى الأصوليون على الاختصار والتسهيل، حتى إنهم في كثير من الأحيان يعبِّرون عن العلة الغرضية بالمصلحة أو المفسدة نفسها دون جلبها أو دفعها فيقولون: العلة من تحريم الخمر هي السكر، والعلة من إباحة الفطر في السفر هي المشقة، ولا مُشاحَّةَ في الألفاظ إذا فُهِمَت المعاني.

(1) الزركشي، البحر المحيط، ج 7، ص 249.

(2) السبكي، الإبهاج، ج 1، ص 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت