فهرس الكتاب
الحق السادس: النظر في اقتصاد البلاد ومصادره، ويُصرِّفه لما فيه النفع العميم، والازدهار المُستديم؛ وفق مصارفه الشرعية، وجهاته المرضية، وَضبط جِهَات ذَلِك، وتفويضه إِلَى الثِّقَات من أهل الخبرة.
الْحق السابع: الْعدْل فِي حُكمه وسُلطانه، قَالَ تَعَالَى: {إِن الله يَامر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان} ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذا قُلْتُمْ فاعدلوا} . وَفِي الحكمة:"عدل الْملك حَيَاة الرّعية، وروح المملكة، فَمَا بَقَاء جَسَد لَا روح فِيهِ".
وَلما كَانَ خطر الحاكم جسيمًا، ونفعه عميمًا، كَانَ أجره عِنْد الله عَظِيما، ومَقامه فِي الْجنَّة كَرِيمًا، وَلَو لم يكن فِي أجر الْعدْل مَا فِيهِ، لكَانَتْ مصَالح الْملك وَعمارَة الممالك تَقْتَضِيه، وَلذَلِك كَانَ كسْرَى وَغَيره من كفرة الْمُلُوك فِي غَايَة الْعدْل، مَعَ أَنهم لَا يَعْتَقِدُونَ ثَوابًا وَلَا عقَابا، لأَنهم علمُوا أَن بِالْعَدْلِ صَلَاح ملكهم، وَبَقَاء دولتهم، وَعمارَة بِلَادهمْ.
قَالَ الْحُكَمَاء: الْملك بِنَاء أساسه الْجند، والجند جَيش يجمعهُمْ المَال، وَالْمَال رزق تجلبه الْعِمَارَة، والعمارة عمل يَنْمُو بِالْعَدْلِ.
وَقد اتّفقت شرائع الْأَنْبِيَاء وآراء الْحُكَمَاء والعقلاء أَن الْعدْل سَبَب لنمو البركات ومزيد الْخيرَات، وَأَن الظُّلم والجَوْر سَبَب لخراب الممالك، واقتحام المهالك وَلَا شكّ عِنْدهم فِي ذَلِك.
ومما قيل:
نزل مَلكٌ متخفيًا فَمر بِرَجُل لَهُ بقرة، تحلب حِلاب ثَلَاثِينَ بقرة فَعجب مِنْهَا، وعزم على أَخذهَا، فحلبت فِي الْغَد نصف حَلبها، فَسَأَلَهُ الْملكُ عَن سَبَب ذَلِك؟
فَقَالَ الرجلُ:"أَظن أَن سُلطاننا عزم على أَخذهَا، وظُلم الْملك يذهب الْبركَة"!
فَنوى السُّلْطَان تَركهَا، وَعَاهد الله عَلَيْهِ، فحَلبت من الْغَد عَادَتهَا، فعاهد السُّلْطَان ربه أَن يعدل مَا بقي.