[الكاتب: حامد بن عبد الله العلي]
ـعض لبعض أول للثاني ... ينبوع العلمانية اللادينية وطواغيتها الكبار:
ميكافيللي، كالفن، توماس هوبز، جون لوك، جون ستيوارت، هولباخ، فولتير، ديكارت، مونتسكيو، جان جاك روسو، ثم الطبقة التي تليها هم: هيغل، كيجارد، كارلايل، داروين، انجلز، ماركس، نيتشه، فرويد، دركهايم، لينين، تروتسكي، جون ديوي، هيدجر، رسل، سارتر، وغيرهم كثير من المستشرقين والمفكرين والكتاب والفلاسفة.
هؤلاء كان لكتاباتهم الأثر الأكبر في تخريج هذه الطبقة في بلادنا العربية:
وهي: ألبرت حوراني، ماجد فخري، عبدالرحمن بدوي، عبدالعزيز الدوري، ساطع الحصري، البستاني، عثمان أمين، محمد لطفي، زكريا ابراهيم، أنطون سعادة، شبلي شميل، فيليب حتى، سليم خياطة، ورئيف خوري، وجميل صليبا، وحسين مروة، جورج طرابيشي، مصطفى حجازي، لطفي السيد، عبدالعزيزفهمي، اسماعيل مظهر، جورجي زيدان، طه حسن، سلامة موسى، وبين تواريخ وفياتهم بعض التقديم والتأخير، ومن النساء صفية زغلول، وهدى شعراوي.
وهنا تأتي طبقة تواكب وبعضها يسبق من تقدم، لكنها تنتسب الى الدين نوع انتساب، أو تظهر شيئا من ذلك، مثل رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده، وتأثر به سعد زغلول ومصطفى كامل وأحمد لطفي السيد وان لم يكونوا منتسبين الى الدين.
وكان كرومر يقول (أسميهم حبا في الاختصار أتباع المرحوم المفتي السابق الشيخ محمد عبده) وقد تأثر به قاسم أمين أيضا وكان يقول إنه استقى كتابه عن تحرير المرأة من توجيهات محمد عبده، وذكر لطفي السيد في كتابه قصة حياتي أن قاسم أمين قرأ عليه وعلى محمد عبده كتاب تحرير المرأة في جنيف قبل نشره، وعبد الله النديم يلحق بتلاميذ محمد عبده، ثم من المنتسبين إلى الدين الكواكبي، وطه حسين في بعض كتاباته، ويأتي في هذا الدور علي عبدالرازق، وقد ساهم هؤلاء بدور فعال في ترويج العلمنة بالقيام بدور خاص له طبيعة خاصة، سنشير إليه.
غير أن أشدهم في الدعوة إلي العلمنة والغارة على الإسلام لطفي السيد وعبد العزيز فهمي، وإسماعيل مظهر، وكان من أشد القائمين بهذا الدور بنوع من التلبيس والتخفي في بعض كتاباته، صديق إسماعيل مظهر الحميم طه حسين.
ثم جاءت طبقة أخرى أحدث: زكي نجيب محمود، فؤاد زكريا، غالي شكري، تيزيني، العروي، الجابري، مقالح، أركون، علي زيعور، سعد الدين ابراهيم، ناجي علوش، العروي، حسين قبيصي، نديم البيطار، خليل أحمد، صلاح قنصوه، عادل ظاهر، مطاع صفوري.
ويذكر أيضا محمود أمين العالم، أدونيس (على أحمد سعيد) ، تيزيني، فرج فودة، نور فرحات، خلف الله.
وأما محمد عمارة، عادل حسين، وطارق البشري، وكمال أبو المجد، فهمي هويدي، فهم برزخ بين السلفية (بمعناها العام أي رفض الفصل بين الدين والحياة) والعلمنة.
مع أن الغالين في العلمنة يسمون هؤلاء (السلفيون الجدد) ويجعلون منهم حسن حنفي!! كما يفعل أمين العالم في كتابه (الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر) ، ولهؤلاء دور يشبه إلى حد ما دور من أشرت إليهم من المتقدمين المنتسبين الى الدين في تسهيل تغلغل العلمنة في المجتمعات الإسلامية، وتراهم معجبين بكتابات الكواكبي ومحمد عبده والأفغاني أيما إعجاب، ومنهم من يرى في أفكار هؤلاء هي سبيل الهدى والرشاد.
ومن العجائب أن الدكتور محمود إسماعيل في كتابه (الإسلام السياسي) يعتبر هؤلاء (السلفيون الجدد) أشد خطرا وأبعد تأثيرا في تزييف الوعي يقول (ويرجع ذلك إلى قدرتهم على تنظير الاتجاه الأصولي السلفي خاصة وأن بعضهم مثل حسن حنفي ذا باع طويل في الإلمام والإحاطة بالفكر الغربي) ص 24، وهم يقصدون بتزييف الوعي، تقديم نصوص الوحي على شبهات عقولهم التي يسمونها الوعي، ويجعلون هذا التقديم تزييفا للوعي كما دار عليه بحث (العالم) في كتابه المذكور آنفا.
والمقصود أن هؤلاء كلهم بغض النظر عن عدم الدقة في تواريخ الوفيات، هم منظروا العلمنة في بلادنا العربية، على اختلاف تياراتها بين ماركسية شرقية، التي ولت الآن بعد ما سقط صنمها، وليبرالية غربية، والقومية العربية كانت تتركب مع أحد التيارين، وقد تراجعت أيضا، مع تيار العولمة الجارف، وهيمنة الغرب على العالم، وسيطرته بنظام أحادي القطبية.
وعلى اختلاف أيضا داخل كل تيار من جهتين:
الأولى: نوع مدرسة المفكر (أو المفكرين) الغربيين أو الشرقيين الذين تأثر بهم المفكر العربي، سواء كان الخلاف داخل الليبرالية (الهيجلية والظاهراتية والبنيوية والفرويدية والوضعية المنطقية 00الخ) وهي داخل الليبرالية العلمانية كإطار عام، أو كان داخل الماركسية التي شأنها شأن الليبرالية كذلك في اختلافه الداخلي.
والثانية: درجة الحماسة أو الغلو في تبني العلمنة أو معاداة الدين والتراث.
ومن هذه السلسلة انحدرت العلمانية الخليجية على اختلاف توجهاتها، والتي لا تعتبر توجهات جماعية من الناحية الفكرية إن صح التعبير، بقدر ما هي توجهات فردية، ليس بينها رابط فلسفي في وجهة نظري يشكل مدرسة ذات أصول فكرية واحدة أو عقل جمعي بشكل ما.
وهي كذلك ليست ذات عمق وتوغل في النواحي الفكرية والفلسفية في المدرسة التي تتأثر بها، وليس لأكثرهم إن لم يكن كلهم، إضافات أو حتى تحليل نقدي ذي قيمة فلسفية إن كانت الفلسفة لها قيمة حقيقية والحق عن هذا بمعزل، وهم كتاب صحفيون في الغالب أكثر من كونهم مفكرين إلا النفر اليسير جدا يعدون على أصابع اليد الواحدة، مع أنهم كذلك ليسوا مفكرين، لانهم لو كانوا يفكرون بطريقة صحيحة، لما عدلوا عن الحق الذي جاء به الإسلام.
هؤلاء كلهم (باستثناء من أشرنا إلى استثناءه) وتلك السلسلة من المفكرين بأسانيدها التي ترجع إلى أول من أعلن (العلمنة) صنم الجاهلية المعاصرة، وأول من استجاب لداعيها فسجد لهذا الصنم من دون الله تعالى متخذا ذلك الصنم ربا وشريكا مع الله في طاعته واتباع شريعته والتحاكم إليه وحده.
ثم تنحدر هذه السلسلة إلى من نعيش معهم الصراع اليوم على جميع الأصعدة، في صناعة العقل العربي، وفي التأثير في واقع العالم العربي، في الإعلام، والتعليم، والتشريع، والفكر، والثقافة، والحكم، والدولة، وحتى الفن، يعيش السلفيون (بالنسبة الشرعية الأصولية لا الحزبية) الصراع معهم على هذه المستويات من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في بلادنا العربية.
هؤلاء يشكلون بقضهم وقضيضهم، جيش الجاهلية المعاصرة وسدنة صنمها (العلمانية اللادينية) ، وكهنة معبدها الأعظم (الغرب) بعد سقوط المعبد الملحد الآخر في الشرق.
وهم المسؤولون بعد تأسيس دولنا وأغلب حكوماتنا العربية على هذا المبدأ (العلمانية) ، هم المسؤولون واقعا، وعقلا، ومنطقا، عن كل أزماتنا التي نعيشها الآن، لانهم هم من يقبض على صولجان الدولة، ويأبى أن يتزحزح عنها، حتى ولوسخطته الشعوب واضطر الى سحقها، فأمر الأمة بأيديهم، وهم أوردوها إلى ما آلت إليه أحوالها من الضعف والهوان، والذل، والتفكك.
الجيش الإسلامي في مقابل عصابة اللادينية:
ويقابل هذه الجيش اللاديني، الجيش الإسلامي العظيم بعلمائه ومفكريه، وقادته، ومجاهديه، وفصائل اليقظة الإسلامية المعاصرة، يحتشدون ليقاتلوا في سبيل الله، ويغزون جيش الجاهلية التي تقاتل حول صنمها، تقاتل في سبيل الطاغوت، والمعركة اليوم معركة الكلمة والقول والقلم، لكن لكل حرب ميدانها، ولكل ميدان زمانه.
وقد وقف في وجه مد اللادينية العارم على الأمة، ورثة الأنبياء من رجال العلم وقادة الإسلام ودعاة الهدى، وكانوا قسمين:
القسم الأول:
لم يصطدموا بهذا المد اصطداما مباشرا، غير أنهم قاموا بحماية دين الأمة بتجديده فيها والدعوة إليه، وتعليمه للناس، وتجنيد الأجيال لهذا الدين بغرس مبادئه في نفوسهم.
فهم بمنزلة خطوط الإمداد البشري، والدعم المعنوي للمقاتلة في الصفوف الأمامية، وكل من يدعوا الى هذا الدين ويسهم في الإصلاح، ويغرس مبادئ الإيمان في نفس منفوسة من أفراد الأمة، فهو أحد جنود هذا القسم، بحسب ما أوتي من علم، ووفق في الاصلاح، والدعوة، والتعليم، وفوق كل ذي علم عليم.
القسم الثاني:
من ابتلي بالصدام المباشر مع موجات (العلمنة) التي انتشرت في العالم العربي، بسبب تعرض المجتمع الذي يعيش فيه لشن غارة مباشرة من هذا المد، بسبب ثقل مجتمعه في الأمة، وأهميته الاستراتيجية، مثل ما حدث في مصر منذ (1800م) ، ولهذا نجد أنها أكبر ميادين هذا الصراع في الوطن العربي، وأكثرها ازدخارا بالأحداث، وبأيام معارك الإسلام العظمي مع العلمنة، الى يومنا هذا، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، فقد تعرضت أكثر البلاد الإسلامية لمحاولة فرض العلمنة بصورة أو بأخرى.
وهذان القسمان ومن يدخل تحتهما من العلماء، والدعاة، والمصلحون، هم سلسلة موكب الهدي، ولئن رجع إسناد اللادينية الى كفرة أوربا، وملاحدتها وضلال اليهود والنصارى، فان إسناد الجيش الإسلامي، الذي واجه العلمنة منذ غزوها لبلاد الإسلام الى يومنا هذا، يرجع إسناده الى آدم عليه السلام أول النبيين الكرام، ثم يتسلسل عبر تاريخ الرسل والأنبياء الى محمد عليه الصلاة والسلام، أفضلهم وقائدهم ثم أتباعه من بعده والرجال الذين صنعوا تاريخ هذا الدين العظيم.
ويدخل جميعهم في قوله (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) ، فهؤلاء هم أهل طاعة الله المستسلمين لحكمه، وهم فريق واحد، وموكب واحد، يمتد عبر تاريخ البشرية بأسرها، وهم أولياء الله، (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور) وأولئك العلمانيون اللادينيون أتباع الشيطان وأهل طاعته ومردهم الى حكمه وشريعته، وهو وليهم من دون الله (انهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون) و (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت) .
وإذا ذكروا مآثرهم المزيفة، ذكرنا بحق مآثر علماءنا في الحرب مع العلمنة في هذا العصر، فكان شأننا وشأنهم، كطلوع الشمس وانقشاع الظلمات.
ونذكر حينئذ إمام الإسلام، وشيخه في زمنه محمد بن ابراهيم آل الشيخ، فقد قذف بقذيفة مدمرة على حصنهم وهي رسالته (تحكيم القوانين) في ناحية الحكم والتشريع من (اللادينية) ، ولاعجب فانه من آل الشيخ (المجدد محمد بن عبدالوهاب) الذي جعل شرك الطاعة (وعليه يدور مبدأ العلمنة) أحد أنواع الشرك الأربعة الرئيسة التي يتخذ فيها شريك مع الله تعالى، وعد الطواغيت البشرية أربعة فجعل اثنين منها في شرك (الحكم بغير ما أنزل الله تعالى) ، فأنجبت مدرسته السلفية مثل الامام ابن ابراهيم رحمه الله.
وذكرنا تلميذه العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله، فقد قذفهم برسالته في (نقد القومية العربية) في ناحية فكرية أخرى كانت في ذلك الزمن من أشد أركان العلمنة، وأعظمها ضررا على الدين لنقضها مبدأ الولاء فيه، ومن هذه المدرسة نذكر جبالا علا شرفاتها رجال عظام، ولهم مؤلفات كثيرة، ومواقف شجاعة، وفي مبارزة الإقران لهم صولات مذكورة مشهورة، و بعضهم يدخل في القسم الاول، وبعضهم في القسم الثاني.
وإذا دخلنا خطوط المعركة الأمامية، حيث يحمي الوطيس في جوف أرض الحرب، رأينا حينئذ أبطال الإسلام يقاتلون في سبيله كالليوث الحوارد، تخلع القلوب زمجرتها، وتذهب بالابصار صولتها، وسنأتي على ذكرهم في حينه.
وشتان بين الفريقين، وما أبعد التفاوت بين الصفين، صف العلمانية الضالة، وصف أنصار الشريعة الإلهية:
شتان بين مذاهب أوصى بها بـ
حقا عليها ماهما عدلان ... وشريعة فطر الإله عباده
إن طمعت بذا وخدعت بالشيطان ... ولم تقذف اللادينية بكتاب يشوه الإسلام، و يشكك في مُحكماته العظام، إلا ورده دعاة الإسلام، وفندوا مافيه وزيفوا باطلهم، وقذفوهم بالحق الذي يزهق الباطل، فيندحر صاغرا ذليلا:
خطة الحرب العلمانية اللادينية على الأمة الإسلامية:
وكانت حرب العلمانية على الإسلام على خمسة محاور:
-الاول: ضرب وحدة المسلمين، بالفكر القومي والانتماءات الوطنية.
-الثاني: ضرب الشريعة الإسلامية في الحكم بالقوانين الطاغوتية.
-الثالث: ضرب الثقافة الإسلامية، تراث الأمة الذي ينبني في الأصل على الوحي المحفوظ، وبه تتميز عن جميع الثقافات الأرضية، بالثقافات والفلسفات الملحدة المستورده.
-الرابع: ضرب البنية الاجتماعية الإسلامية بافساد المرأة فالأسرة فتقويض معالم المجتمع الإسلامي، وذلك بغرس أخلاق المجتمعات العلمانية في النسيج الاجتماعي للامة.
-الخامس: ضرب مفهوم الجهاد، وتصويره بأنه إرهاب وتطرف وعداوة للإنسانية والسلام، وأنه ضد التعايش والتفاهم بين الحضارات في الوقت الذي يستميت أعداء الأمة، لابقاء المسلمين في حالة تخلف عسكري، ويعدون كل العدة لغصب حقوق الشعوب الإسلامية بالقوة العسكرية.
فإذا تفككت هذه الأركان الإسلامية عبر هذه المحاور، وتقوض البنيان، ابتلعت الحضارة التي ينتمي إليها العلماني المحارب، حضارة الإسلام وهيمنت عليها، وألحقت الهزيمة بالإسلام.
هذه هي خطة الحرب، وهذه امنتيهم ...
منّتك والله المحال النفس
ودنا القتال وصيح بالأقران ... وتحركت جيوشهم تقذف بالكتب والمجلات والرسائل والصحف والمؤلفات على حصون الإسلام، وتمدها مدفعية من الفنون والسينما والمجون، تزين الخلاعة وتقبح الطاعة، ويغطيها سلاح الجو من سلطة دول قامت على مبادئ العلمنة وفرضها بالقوة على شعوب الأمة، وغنى أدباؤهم وشعراؤهم أهازيج الحرب، العقاد والحكيم ومن معهما، فنجيب محفوظ وأنيس منصور ومن نحا نحوهما، وكانوا في حربهم شر مقاتلة، لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، ولايقيمون لذي عهد عهده، ولايحترمون حرمات الدين، ولا يقدسون مقدساته.
نسخوا شريعة الله جهارا نهارا، وحكموا شريعة الطاغوت في كل شيء إلا قليلا، وقدموا في المناهج الثقافية، والتربوية، والتعليمية والإعلامية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والقضاء بين الناس، قدموا مناهج أكابر الكفر من فلاسفة وقادة وحكام، وسخروا من حدود الله تعالى، وشريعته، وتعدد الزوجات، والحجاب والعفة، وصار العهر تحررا، واختلاط المرأة بالأجانب، وارتكاب الفواحش مدنية وعصرنة، وصارت المرأة التي يكون عرضها وشرفها أهون مبذول، نجمة في السماء وحاملة رسالة الفن الى العلياء.
وتطاول بعضهم على القرآن فشكك فيه، ومقام النبوة فلمز وغمز، لوّح، أو تجرأ فصرّح.
وصار المرتد مفكرا متحررا ورائدا إصلاحيا متنورا، وفي الوقت الذي حاربوا فيه حد الردة وسخروا منه، أقاموا القتل والتنكيل والتعذيب وسفكوا آلاف الدماء البريئة بشبهة الانتماء الى جماعة للدعوة الى الإسلام، أو لأسباب وآراء سياسية.
وأقاموا للناس أصناما بشرية ينفخون فيها، ويسخرون كل الطاقات، والقوى، والإعلام المزيف، ليضخمها لتشغل مكان ألوهية الله تعالى في قلوب الناس، يلهجون بحمد هذه الشخصيات البشرية الوثنية، ويرتلون بذكرها، ويحشدون لها الحشود المسبحه باسمها، لتموت في سبيلها.
وأخرجوا الناس من عبودية الله تعالى إلى عبودية شياطينهم، واستهزءوا بالمتبتل في دين الله تعالى، والمتمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في هديه، وسمته، وأخلاقه.
وأحدثوا لهم بدل ذلك، شريعة العبودية للغرب أو الشرق بكل تفاصيلها الدقيقة في كل شيء، حتى تسريحة الشعر، وأزياء الموضة، فهذا للصباح، وهذا لبعد الظهر، وهذا للمساء، وهذا للسهرة، وهذه الأصباغ للوجه التي تحوله الى معرض للألوان، وينفقون في سبيل المحافظة على هذه الطقوس، الأموال الطائلة التي ترهق كاهل الناس، وتقذف مئات المجلات، بآخر أخبار الموضة كل يوم، وليس في هذا التقليد الأعمى، والانقياد التائه للأجنبي، والقيود المرهقة التي تشبه العبودية في أدق التفاصيل، ليس فيها عار ولا حرج، وأما العار كل العار، والحرج كل الحرج، إذا تعبد الإنسان لربه في الاقتداء بهدي النبوة في حياته كلها، فيصير متطرفا وإرهابيا ومتخلفا ورجعيا!!
إمداد الله المؤمنين بمدده:
وأمد الله المؤمنين بمدد من عنده، وربط على قلوبهم، وثبت الأقدام، فصبروا وصابروا، وقاتلوا وقتلوا، وأقاموا نحورهم سدا منيعا لهذا الدين، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا.
هذه العساكرقد تلاقت جهرة
للحرب واقتربوا من الفرسان ... صفوا الجيوش وعبئوها وابرزوا
خلف الخدور كأضعف النسوان ... تبا لكم لو تعقلون لكنتم
والوحي والمعقول بالبرهان ... من أين أنتم والحديث وأهله
أو شهادات على البهتان ... ما عندكم إلا دعاوى أوشكوك
وقعقعة بكل لسان ... بجعجعة وفرقعة وغمغمة
وتلبيسا وترويجا على العميان ... جهلا وتجيهلا وتلديسا
كي تحصلوا فيه على سلطان ... تحمون ملك كبيركم وإلهكم
سنن الرسول ومقتضى القرآن ... وبحقنا نحمي الهدى ونذب عن
هذا ولم نشهده من إنسان ... وقد كان من أوائل مهندسي موقع العدو في أوائل أيام المعركة، هو (كرومر) وقد تخرج على يده تلامذة على صنفين، صنف يقاتل الاسلام علنا، وصنف يلبس هذه الحرب لباس الدين ليزين العلمنة للمسلمين.
وأُلّفت كتب خطيرة في ترويج العلمنة وتلبيسها لباس الاسلام منها (الاسلام وأصول الحكم) لعلي عبدالرازق في ناحية التشريع الإسلامي وحاصله أن الحكم بما أنزل لله تعالى ليس من مهمات الدين، ولا يجب الالتزام بها دينا وشرعا في كل شيء، وانما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم من باب السياسية التي ناسبت زمانه، لا من باب النبوة والوحي الملزم.
ومنها (في الشعر الجاهلي) (ومستقبل الثقافة في مصر) لطه حسين، وحاصل ما كان يحوم حوله في هذين الكتابين، أن الثقافة الإسلامية وان استندت في ناحية منها الى الوحي، حتى لو كان القرآن، فان شأنها شأن غيرها من الثقافات، يجب أن تخضع لمعايير العلوم الحديثة.
ومنها كتاب (تحرير المرأة) وحاصله تغريب حياة المرأة، وقد فتح الباب لهذا الشر فدخل منه العجب العجاب، ومنها كتاب (اليوم والغد) لسلامة موسى، وكان هذا المخذول، صريحا جريئا على الله ودينه، يشن غارته على الاسلام في وضح النهار جهارا.
وأبطلت هذه الكتب بكتاب جليل عظيم القدر جدا، وهو كتاب (النكير على منكري النعمة) لمصطفى صبري، وكتاب (الخلافة أو الإمامة العظمى) لمحمد رشيد رضا.
وكان هذا الأخير أهم كتاب ظهر في هذه الفترة، بين فيه أن الحكم بالشريعة في نظام حكم إسلامي (الخلافة) هو حجر الزاوية في انتظام شؤون المسلمين، وقيام شريعتهم، وسلامة دينهم، وتماسك بنيانهم واجتماع كلمتهم، وبين فيه أن نهضة المسلمين إنما تتوقف على القامة الخلافة الإسلامية، ذلك أن كتاب على عبدالرازق، بني على تهميش دور الإمامة الحاكمة بالشريعة، واقصائها من أن تكون من مهمات الدين، فكان كتاب رشيد رضا مفندا لمافيه قبل صدوره، وغالب مافيه مادة جيدة مبنية على أصول شرعية صحيحة، وان كان فيه ما يستدرك فالكمال عزيز.
وأما كتاب مصطفى صبري، فكان ردا على كتاب صدر بالتركية وترجم الى العربية بعنوان (الخلافة وسلطة الأمة) ألفته لجنة من الترك بإشارة من الكماليين (وهم الذين دبروا سقوط الخلافة وعلمنة تركيا) ويهدف هذا الكتاب الى مثل هدف كتاب على عبدالرازق، وهو إيجاد سند شرعي بالزور، والباطل، والكذب، واتباع المتشابهات، لما فعله مصطفى كمال من إقصاء الخلافة، واقامة الحكم العلماني، وقد رد عليه مصطفى صبري ردا بليغا قويا محكما وكان لكتابه أثر عظيم في الدفاع عن منزلة الإمامة الشرعية في الاسلام (الخلافة) وأن الحكم والسياسية جزء مهم من الدين.
وحذر علماء المسلمين من مكائد الداعين الى عزل علماء الاسلام عن السياسة بالخديعة والمكر، ومن أجزل ما فيه من القول البليغ قوله رحمه الله:
(والذين جردوا الدين في ديارنا عن السياسة كانوا هم وإخوانهم لا يرون الاشتغال بالسياسة لعلماء الدين، بحجة أنه لا ينبغي لهم وينقص من كرامتهم، ومرادهم حكر السياسة وحصرها لانفسهم، ومخادعة العلماء بتنزيلهم منزلة العجزة، فيقبلون أيديهم، ويخيلون لهم بذلك أنهم محترمون عندهم، ثم يفعلون ما يشاؤون بدين الناس ودنياهم، محررين عن احتمال أن يجيء من العلماء أمر بمعروف أو نهي عن منكر، إلا ما يعد من فضول اللسان، أو يكمن في القلب، وذلك أضعف الإيمان، فالعلماء المعتزلون عن السياسة، كأنهم تواطأوا مع كل الساسة، صالحيهم وظالميهم، على أن يكون الأمر بأيديهم ويكون لهم منهم رواتب الإنعام والاحترام، كالخليفة المتنازل عن السلطة وعن كل نفوذ سياسي) ، هذا بعض قوله، فلله دره ما أجزل وصفه وأبلغه، وكأنه يعيش بيننا ويرى بعينيه حالنا 0
وألف مصطفى صادق الرافعي كتابه (بين القديم والجديد) وكان في جله غارة على كتاب طه حسين (مستقبل الثقافة) الذي سلك فيه مسلك الخداع والدهاء بعد الهجوم الذي تعرض له اثر كتابه (في الشعر الجاهلي) .
وقد دمرت هذه الغارة الرافعية أيضا كتاب (اليوم والغد) لسلامة موسى الذي يدعو فيه صراحة الى (أن يكون التعليم أوربيا لاسلطان للدين عليه) بل يدعوا الى اقتلاع ما في ثقافتنا من (أثار العبودية والذل والتوكل على الآلهة) كما زعم، في هجوم صريح على الدين، غير أن كتاب طه حسن كان أشد منه، ودعى فيه الى حمل مصر على الحضارة الغربية وطبعها بها، وقطع ما يربطها بقديمها وبإسلامها.
ومقابل ما كانت تدعو إليه مجلات العلمنة، والتغريب، كالمقتطف والسياسة، وغيرها من الارتماء في أحضان الغرب، كان العلماء والمفكرون والدعاة الإسلاميون يجابهون هذه الحرب الضروس بكل قوة، وكان من قادة المعارك الأبطال في ذلك الوقت شكيب أرسلان، ومحب الدين الخطيب، إضافة الى من تقدم.
ودارت رحى المعركة سنين طويلة، كانت محورها هو الدفاع عن موقع الاستسلام لاحكام الله تعالى والوحي في هذا الدين، ضد من كان يريد أن يجتال الناس عن هذا الموقع، ويجعل في محله الانقياد لاحكام وشريعة وأفكار البشر من ملاحدة الكفار، الذين أشرت الى أسماء شيوخهم من الأوربيين في صدر هذا المقال، جعلوهم أربابا من دون الله تعالى يقدمون قولهم على قول الله تعالى، وشريعتهم على حكمه جل وعلا.
وجاء بعد هذا الفوج من العلماء والدعاة الذين وقفوا في وجه العلمنة، أفواج وأفواج، منهم علماء الطريقة السلفية كأحمد شاكر وحامد الفقي وغيرهما كثير داخل مصر وخارجها وقد قدمتهم في مقال سابق، من أبرز الأبطال محمد محمد حسين رحمه الله تعالى، ومحمود شاكر، وأبو الحسن الندوي وغيره من القارة الهندية، ومنهم الكتاب والمفكرون والأدباء والشعراء الإسلاميون.