[الكاتب: يحيى هاشم حسن فرغل]
إذا كان الأستاذ"جون فول"أستاذ التاريخ الإسلامي وتاريخ العالم في جامعة"جورج تاون"بواشنطن، قد ذهب في مقاله عن نهاية العلمانية إلى؛ (أن سياسات"فصل الكنيسة عن الدولة"، أو"فصل الدين عن السياسة"لم تكن محايدة دينيا، أي إن الدعوة للعلمنة والعلمانية اتخذت في حد ذاتها موقفا أيديولوجيا ودينيا) [1] .
فإننا نذهب إلى أبعد من ذلك في توضيح دور العلمانية في إنشاء ديانة جديدة لها ما للدين بوجه عام من خصائص هيكلية عامة وإن تكن شمعية ميتة.
إن العلمانية - سواء بموقفها المحايد من الدين، أو بموقفها المقاتل - تحارب الدين المنزل من الله، وتقوم من ثم بدورها كعامل إسناد للإلحاد العلمي المعاصر، وهي في الوقت نفسه تقوم بدورها في إسناده في الدعوة إلى"ديانة وضعية"ومزيفة من صنع البشر.
ونعني بـ"الإلحاد العلمي المعاصر"؛ ذلك الذي يختلف عن أشكال الإلحاد الذي ظهر سابقا في التاريخ ويتميز عنه بادعاء الاستناد إلى العلم التجريبي.
ومرجعنا في ذلك إلى أن للأديان بشكل عام خصائص هيكلية عامة، وأن الإلحاد العلمي المعاصر يدعو أو يقوم على هذه الخصائص:
1)التسليم الأولي أو الاعتقاد الذي لا يشترط البرهان.
2)وضع مجموعة من المبادئ العليا التي لا يمكن الاستغناء عنها ومع ذلك فهي غير قابلة للبرهنة.
3)الإيمان بموجود لا يمكن إدراكه بالحواس سواء كان هذا الإدراك مباشرا أو غير مباشر.
4)الخضوع أو التعبد لقانون أو إرادة ذلك الموجود.
5)انتظار الآخرة أو المستقبل الذي يعالج نقائص الوضع الحاضر.
ولا أظن أن خلافا يقع بين الأطراف كلها على أن هذه الخصائص هي خصائص الدين، ما صح منها وما لم يصح بوجه عام.
وسنبين فيما يلي توافر هذه الخصائص في المنظومة التي يقوم عليها الإلحاد العلمي المعاصر والذي تروج له العلمانية بجميع أشكالها، وهم في ذلك يحاكون المصورين الملعونين الذين يقدمون لك تماثيل الشمع في متاحفهم، وماهي غير صورة صنمية قابلة للانفضاح عند أول اختبار.
يقول الأستاذ"موريس هاوزر"أستاذ ورئيس قسم الاجتماع بجامعة شيكاغو: (العلم نوع من الأديان، والعالِم رجل دين وهب نفسه للقيم التي آمن بها من البحث عن المعرفة، وأنت تجد فيه نفس التعصب الذي تجده في المبشر أو القسيس) [2] .
أما عن الخاصة الأولى؛ وهي التسليم الأولي الذي لا يشترط البرهان - باستثناء الدين الصحيح الذي نعرف أنه غير محصور في هذه القاعدة -
فنورد هنا طائفة من أقوال العلماء التجريبيين أو فلاسفتهم الذين يحتج بهم ويعترفون بوقوعهم فيها ...
يقول"ألبرت بروس سابين"عالم الميكروبات الشهير وصاحب مصل شلل الأطفال"سابين": (إن العلم والدين كليهما يقومان على الإيمان) [3] .
ويقول الدكتور"تشارلز هارد تاونز": (أصبح الإيمان في العلم شيئا تلقائيا حتى لم يعد يراه الناس، ففي العلم إيمان بأن للكون نظاما يمكن للعقل فهمه ... . ولكننا لا نستطيع أن نثبت بأي طريقة أساسية أن الكون منظم ومنطقي وإنما نزعم ذلك، ونعتبر أن الأمر كذلك، ونجد أن أفعالنا تنطبق على الحقائق، ولكن هذا شيء لا يمكن إثباته، إنه في حقيقة الأمر إيمان، إيمان يبدو أن له ما يبرره) [4] .
ويقول الدكتور"جيمس. ب. كونانت"أستاذ الكيمياء ورئيس جامعة"هارفارد"من عام 1932 - 1953: (إنه ليس بين الملاحدة واللاأدريين من كان في قلبه من الإيمان باطراد الطبيعة واتساقها ما يكفي لممارسة العلم وتجارب العلماء) [5] .
ويقول"أينشتاين"وهو غني عن التعريف: (إن العلم لا يخترعه إلا أولئك المتشبعون تماما بحب الحق والإدراك السليم، وهذا مصدر من مصادر الشعور ينبع من ميدان الدين، ويتصل بهذا الميدان الإيمان بأن من الممكن أن تكون القواعد التي تنطبق على عالم الوجود معقولة، أي يمكن إدراكها بالعقل، ولا يمكن أن أتصور عالِما بغير هذا الإيمان العميق، ويمكن التعليق على هذا الرأي بهذه الصورة: العلم بغير دين أعرج، والدين بغير علم أعمى) [6] .
ويقول"هرمان راندال"في كتابه"تكوين العقل الحديث": (إن النظرة الكونية العلمية التي عرفت في نهاية القرن التاسع عشر كانت بالطبع إيمانا يمكننا أن نصفه بأنه ضرب من التشبث) .
ويقول: (لقد كان من المستحيل أن يتجنب الباحث انتخاب حقائقه التي يريدها على نور نظرية سبق أن اعتقد بها) [7] .
ويقول"جون كيمني"أحد مساعدي"أينشتاين"واستاذ الرياضيات في جامعة"دارتموث": (إنه لا يمكن أن نسوغ فرضية معينة، إلا أن علينا أن نؤمن بفرضية على شاكلتها إذا أردنا للحياة أن تغدو ممكنة) [8] .
ويقول"جيمس كونانت"رئيس جامعة"هارفاد"سابقا: (إن باستور كان يدفعه في كل ما صنعه إيمان قوي بالفروض يبتدعها من عند نفسه، وكان إيمانه الشديد تعمده وتسنده أشياء أخرى غير الحقائق وما يخرج منها بالمنطق، فهذا مثل لما أعني؛ حمله إلى النصر فيه الإيمان القوي الذي لم يعتمد فيه إلا على الدليل القليل) .
ويقول: (إن الفروض التمهيدية الكبرى التي جاء بها تاريخ العلم نشأت نتيجة لعملية ذهنية يعبر عنها أحيانا بأنها"مسة من عبقرية"، أو"خاطرة ملهمة"، أو"ومضة من خيال باهر"، وقلما يتبين فيها الناظر أنها كانت نتيجة تمحيص للنتائج كلها أو تحليل منطقي لها) [9] .
ويقول"وليم جيمس"الفيلسوف الأمريكي المعروف: (نحن نؤمن كل الإيمان بان الأشياء حتى ما يبدو منها كثير التعقيد لابد أن يصاغ يوما في قاعدة جلية واضحة) [10] .
ويقول"جون كيمني": (مفتاح التحقق من النظريات أننا لا نتحقق منها ألبتة، ذلك لأن ما نتحقق منه هو المترتبات المنفردة للنظرية وليس النظرية بالذات) [11] .
ويقول"كارل بيرسن"أستاذ الفيزياء بمعهد كاليفورنيا مكتشف البوزيترون، والميزون، والذي نال جائزة نوبل في الفيزياء عام 1963 م: (القانون العلمي ليس كشفا لعلاقات موجودة في طبيعة الأشياء، وإنما هو اختراع لهذه العلاقات، وهو وصف مختصر لطريقة الانطباعات الحسية في مجال معين أو اختزال ذهني يحل لدينا محل الوصف المطول لتعاقبات الانطباع الحسي) [12] .
هذا هو الأصل الأول:"الإيمان الأولي غير المشروط ببرهان"، نجده كامنا في أعماق العلم التجريبي.
أما عن الأصل الثاني؛ وهو"وضع مجموعة من المبادئ العليا التي لا يمكن الاستغناء عنها، ومع ذلك فهي غير قابلة للبرهنة كأساس للبحث العلمي التجريبي:"
فنجده - مثلا - فيما يقرره"هربرت سبنسر"الفيلسوف الإنجليزي المعروف في كتابه"المبادئ الأولى"في كلامه عن الأفكار العلمية القصوى: (أن العلم مضطر إلى الاستعانة بالكثير من المفاهيم الغامضة التي لا سبيل إلى تفسيرها، كالزمان والمكان والمادة والحركة والقوة، وليس في استطاعة العقل البشري أن يستغني عن هذه المفاهيم) .
ومع أن هربرت سبنسر يحاول أن يكشف عن شيء من هذه المفاهيم فإنه ينتهي إلى أن ما يعلم منها يدل على حقيقة مجهولة نسلم بوجودها من غير أن نعرفها.
وهكذا نجد أنه في التعليل النهائي الذي يقدمه سبنسر لما يسميه الأفكار العلمية القصوى تنهار الحدود التي يضعها الماديون للمادة لتقف في نفس موقف المجردات المسلَّمة [13] .
ويقرر"برتراند رسل"الفيلسوف الإنجليزي المعاصر ذائع الصيت بالرغم من لا أدريته التي يوظفها لمحاربة الدين: (أن المبادئ العامة لتدعيم الاستدلالات العلمية غير قابلة للبرهان بأي معنى مألوف) .
ومما يستدل به على ذلك ما يسميه"التوقع الحيواني"الذي لا يمكن البرهنة عليه منطقيا، كتوقع الحيوان في خبرته رائحة بعينها تدله على صلاحية الأكل أو عدم صلاحيته، هذا التوقع الذي يرقى حتى يستخدم في أرقى قوانين الفيزيا الكمية، ويؤكد أنه (ليس من الممكن أن ننتقل خطوة واحدة إذا نحن بدأنا من الشك"الديكارتي") .
ويقول: (فعلينا إذن أن نبدأ من تسليم عريض بكل ما يبدو أنه معرفة أيا ما كانت، وأنه ليس ثمة سبب معين لرفضه) .
ويذهب في تعداد المسلمات التي يراها إلى خمس مسلمات هي كما يسميها: مسلمة شبه الدوام، ومسلمة الخطوط السببية القابلة للانفصال، ومسلمة الاستمرار المكاني والزماني، والمسلمة البنائية ومسلمة التمثيل، ونحن لا نجد إمكانية لشرح هذه المسلمات، ولكننا نود أن نوضح أنه يستبدل هذه المسلمات بمسلمات أخرى هي مسلمة السببية، وانتظام الطبيعة، بدعوى أن مسلماته أكثر تحديدا وفاعلية [14] .
هكذا بغير برهان، هكذا لأنها أكثر تحديدا، هكذا لأنها من الناحية العلمية ضرورية، وهل يعتقد المتدين شيئا يستغني فيه عن البرهان بأكثر من ذلك؟
ويقول إميل بوترو الفيلسوف الفرنسي المعروف: (إن مقالة ريبوا ريموند [1818 - 1896] المشهورة التي اختتمها بقوله"لا أعلم"، لم تزل منذ سنة 1880 تتعقب عقول المفكرين، فقد نص على ألغاز سبعة أربعة منها على الأقل لا تقبل الحل أبدا وهي؛ ماهية المادة، وأصل الحركة، وأصل الإحساس البسيط، والحرية) [15] .
وإذا كان"أرنست هيكل" [1884 - 1919] الفيلسوف وأستاذ علم الحيوان المعروف في كتاب"ألغاز الكون"لم يقبل ما أعلنه"ديبوا ريموند"وقرر: (أن جميع ألغاز ديبوا ريموند قابلة للحل أو قل إنها منذ الآن قد حلت) ، تبعا لمذهبه الواحدي، فإنه استبقى منها سرا؛ هو الجوهر، إذ يقول: (فما هو هذه القوة الهائلة التي يسميها العالِم الطبيعة أو العالَم؟ ويسميها المثالي الجوهر أو الكون؟ ويسميها المؤمن الخالق أو الله؟) .
وهكذا يمكننا أن نقول: إنه حتى في نظر"أرنست هيكل"الملحد؛ يتساوى التسليم بالله أو التسليم بالطبيعة أو التسليم بالجوهر من حيث كونه تسليما بما هو أعمق وأشد خفاء، كلما خيل إلينا أننا نعرف عنه شيئا.
أما عن الأصل الثالث من خصائص الدين بوجه عام: وهو الإيمان بموجود لا يمكن إدراكه بالحواس، سواء كان هذا الإدراك مباشرا أو غير مباشر:
فلنذهب لنتعرف إلى نظرة العلم الحديث عن"المادة"... ألا تتركب من عناصر؟ وألا يتركب العنصر من ذرات؟ وماذا عن مادية الذرة؟ أليست تتركب الذرة - على اختلاف بينها باختلاف العناصر - من الألكترون والبروتون والنيترون والبيزوترون والميزون والموميزون ... إلخ ما اكتشف منها، مما أصبح يسمى جزيئات الذرة أو الصغيرات في تسمية أخرى، ماذا بقي فيها من المادية؟
يقول"أرثر كوستلر"الكاتب البريطاني: (يذهب العقل المحايد إلى الاعتقاد بأن النيوترونات ذات نسب بالأشباح، وهو العقل الذي لا يرفض وجودها، وليس هذا القول مجرد استعارة لفظية) ، ويقول: (إن علماء الفيزياء النظريين يدركون تماما الطبيعة السريالية للعالم الذي خلقوه) ، (ولكنه في الوقت نفسه عالم ينطوي على قدر هائل من الغموض) ، ويقول: (إن افتقار النيوترون إلى الخصائص الفيزيائية العيانية شجع التفكير العياني بشأن إمكان وجود جزيئات أخرى تكشف لنا عن الحلقة المفقودة بين المادة والعقل) [16] .
ويقول"فرينر هايزنبرج"- الذي نال جائزة نوبل في الفيزياء عام 1932 - عن لا مادية الذرة: (ليس الجوهر جسيما ماديا في الفضاء والزمن، وإنما هو بشكل ما مجرد رمز تتخذ قوانين الطبيعة عند تقديمه شكلا سهلا واضحا) ، ويبين أن؛ (تركيبات الذرة هي التي تحدث خصائص المادة من اللون، والرائحة، والزمن، وشغل الفراغ، أما الذرة نفسها فليس لها شيء من ذلك، وعلى هذا جردت الذرة بالتدريج من كل الخصائص الحسية) [17] .
وإلى المعنى نفسه ذهب كل من لويس دي برولي الذي نال جائزة نوبل في الفيزياء عام 1929 - في كتابه"الفيزيا والميكروفيزيا" [18] .
وكما رأينا كبار العلماء التجريبيين ينكرون في البداية الجاذبية ثم ينكرون الكهرباء وجدناهم أيضا ينكرون النظرية الذرية في بداية الأمر، وهم كانوا في إنكارهم مدفوعين بارتباطهم بالمنهج التجريبي الذي لا يعترف بغير ما يدرك حسيا.
يقول الدكتور"جون كيمني": (رفض بعض الأوائل من دعاة الفلسفة العلمية القول بالنظرية الذرية لأن المفاهيم التي تستند إليها غير قابلة للتحديد بواسطة عمليات حسية، أي لأن الذرات غير مرئية، غير أن هذه النظرية تغلبت على كل انتقاد) [19] .
وما هي الجاذبية؟
يقول"إدوارد هيوي": (إن قانون الجاذبية من أهم قوانين الطبيعة رغم أن الجاذبية نفسها ما زالت لغزا عميقا) [20] .
وما هي الكهرباء؟
يقول"إدوارد هيوي": (إننا نعلم ما الذي تفعله الكهرباء ونعلم كيف تفعل ذلك، ولكننا لا نعلم بالضبط لماذا تعمل الكهرباء ما تعمله، إننا نستعمل الكهرباء ولكننا لا نستطيع أن نفهمها تماما) [21] .
لقد تم التسليم بوجود جزيئات الذرة وما أشبهها لا لكونها خاضعة للإدراك الحسي بأي وجه من الوجود، ولكنه تم لأمرين: الأول؛ الضرورة المنطقية اللازمة لتفسير الوقائع المشاهدة، والثاني؛ ما لها من آثار، وعلى سبيل المثال ما ينتج عن الألكترون وهو يدور في مساره من آثار معينة يمكن اختبارها تجريبيا [22] .
وما من حقائق الدين إلا ويرتكز على هذين الأساسين: الضرورة المنطقية والآثار، فنحن وكافة المؤمنين بالله إنما يؤمنون بالله لهذين الأمرين، وإذن فالإيمان بجزيئات الذرة والمادة بسبب هذين الأمرين يقتضي الإيمان بالله لنفس السبب، والكفر بالله بالرغم من تحقق هذين الأمرين يقتضي الكفر بالمادة والذرة وجزيئاتها على الأساس نفسه.
ولقد اعترف"برتراند رسل"بالمعضلة التي وضعها العلم الحديث في طريق إلحاده إذ يقول: (أخذت المادة تشف تدريجيا كقطة"تشيشاير"، حتى لم يبق منها إلا الابتسامة الناجمة فيما يبدو من الضحك على من لا يزالون يظنون أنها موجودة) .
وهو يستعمل أسطورة تحكى عن قطة تظهر ليلا أمام الساهرين في بعض القصور ثم تخفت وتشف حتى تختفي، ولا يبقى غير السخرية بمن كان يظن أنها موجودة عيانا، هكذا صارت المادة.
ثم يقول: (أصبح"دارسو"علم الطبيعة مثاليين وأصبح كثير من علماء النفس على حافة المادية) ، ويقول: (والحقيقة بالطبع أن العقل والمادة كليهما وهم، وهو ما يكتشفه علماء الطبيعة بدراسة المادة ويكتشفه علماء النفس بدراسة العقل) .
ثم يقرر أن عالم الطبيعة الذي يعترف به علم الطبيعة الحديث أصبح شيئا آخر يختلف عن عالم المادة كما تدركه حواسنا، وأنه أي عالم المادة في الفيزيقا الحديثة يدرك بالاستنتاج، يقول: (علم الطبيعة وعلم وظائف الأعضاء فيما بينهما يؤكدان لنا أن الكرسي القائم هناك مستقلا عن إبصاري شيء لا يشبه مطلقا ما تصورته، بل هو رقصة جنونية ترقصها بلايين الكهيربات تحت تأثير بلايين التحولات الكمية وعلاقتي بهذا الشيء غير مباشرة ولا تتأتى معرفتها إلا بالاستنتاج) [23] .
هكذا صار حال ما كان يسمى المادة ولا يزال يتحجر في عقول الملحدين، فإذا لانت عقولهم تحت ضربات العلم الحديث لكي يسلموا بالمادة أو بجزيئاتها في وضعها الجديد، فقد صار لزاما عليهم أن يسلموا بوجود الله لنفس الأسباب ونفس الاستنتاج.
والمهم هنا؛ أنه هكذا أصبح الإلحاد العلمي المعاصر - وبحكم العلم الحديث الذي يستند إليه - يقوم على التسليم بموجودات غيبية؛ غير محسوسة.
وتلك هي الخصائص الأساسية الثلاثة من خصائص الدين، فهل ترى هذا الإلحاد في طريقه لصناعة ديانة جديدة تقوم على الإيمان بغيبيات لمحض أنها قد استندت إلى الضرورة المنطقية والآثار؟!
إن الأمر لا يقتصر على هذا الحد، وإنما هناك الخاصة الرابعة من خصائص الدين نكتشف أن هذا الإلحاد يصطنعها، خاصة عبادة موجود يسمى المادة، ولكنه هو في كنهه غير محسوس بما يعنيه ذلك من الخضوع أو التعبد لقانون أو إرادة ذلك الموجود.
فهاهو الفيلسوف الإنجليزي المعروف"هربرت سبنسر"بعد أن ابتعد عن الديانة المسيحية قد اخذ يتعبد لما سماه"المطلق"، وهو يصف هذا"المطلق"بأنه"لا يمكن معرفته"، ويصف هذه اللاأدرية بأنها: (على التحقيق عند العقل البشري الاتجاه الديني نفسه) ، ويصف هذا المطلق - مع ذلك - بأن (له وجودا يبلغ من سموه على العقل والإرادة مبلغ سمو العقل والإرادة على الحركة الميكانيكية) ، وهو يرتعد فرقا عندما يخلو لنفسه ليتأمل هذا المطلق.
ويعلق"أميل بوترو"على ذلك فيقول: (ألا يحق لنا القول بأن مذهب الفيلسوف اللا أدري هذا يفصح في هذا الموضع عن اتجاه روحي صوفي؟) [24] .
وهاهو"أوجست كونت"الفيلسوف الفرنسي الوضعي، يضع في فلسفته الوضعية ما سماه"ديانة الإنسانية"وفيها تكون الإنسانية هي المعبود،"وفيها تكون معشوقته كلوتيد"رمزا لهذا المعبود.
يقول"أميل بوترو": (لا تتجه عبادة المذهب الوضعي إلى ذكرى أبطال الإنسانية بل موضوعاتها الأساسية: الموجود الأعظم أو الإنسانية، والمعبود الأعظم أو الأرض، والبيئة العظمى أو المكان، هذه الأقانيم الثلاثة تكون ثالوث المذهب الوضعي) [25] .
وفي الفلسفة الماركسية التي اضطرت لقولها بقدم المادة والحركة معا؛ ذهبت إلى وصف المادة والحركة بصفات الله، فهي أصل الوجود، وهي باقية لا تفنى، وقانونها"الديالكتيك"يفرض نفسه على كل الأشياء.
إنه في البناء الماركسي يقوم الجانب العلمي على الجانب الاعتقادي، وليس كما يقتضيه شعار الاشتراكية العلمية، ففي مقال نشرته"البرافدا"في عام 1949 يقول رئيس أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفيتي - السابق -"س. ا. فاينلوف"تحت عنوان"لينين والمسائل الفلسفية": (إن الفيزياء السوفيتية تبني عملها على ما اعتنق العالم من المادية الديالكتيكية، وليس العكس كما هو المتوقع علميا، تلك التي رفع أمرها تآليف لينين وستالين، ولكنا لا يمكن أن نغفل حقيقة واقعة وهي أن بعضا من فيزيائيينا مازال عندهم بقايا من آراء من المذهب التصوري"غير المادي"إن من اخطر الواجبات علينا أن نحارب هذه البقايا من ذلك المذهب المنقرض [!] بالنقد الذي لا يرحم) [26] .
فهل نجد كبير فرق بين هذا المذهب وبين موقف الكنيسة من العلم في العصور الوسطى؟
ثم ذهبت هذه الماركسية خطوة أعمق في طريقها إلى جعل هذه الفلسفة دينا حيث رأت ضرورة إدخالها في عقول العمال وقلوبهم باعتبارها فلسفة الشغيلة التي يعتمد عليها وعليهم في تغيير المجتمع وتثويره، ومن أجل ذلك أدخلوا زعماءهم في إطار القداسة التي تضفي على الأنبياء، وكان لهم أصنام ومزارات يحج إليها الناس من أرجاء البلاد.
بل إن عبادة المادة عند هؤلاء عندما تصطدم بصعوبة التعبير عن إلههم يعتذرون بمثل ما يعتذر به المؤمنون من ضيق وعاء اللغة البشرية عن استيعاب حقائق الألوهية.
وهذا ما يعبر عنه مقال"ديمتري ب جورسكي"عن التمثيل العلمي وصعوباته، وهذا ما قاله"لينين"عن الحركة وصعوبة التعبير عنها: (نحن لا نستطيع أن نحقق الحركات أو نعبر عنها أو أن نمثلها بدون أن نعطل التيار المتصل وبدون أن نعمد إلى تقسيمها وقتل الحساسية فيها) [27] .
أما"أرنست هيكل"صاحب الفلسفة الواحدية؛ فإنه يدعو إلى فلسفة علمية لنتائج العلم، تعالج فيها المسائل التي تركت من قبل للدين والميتافيزيقا، ويقول: (نحن نرى أن المادة لا يمكن أن توجد بغير العقل) .
حسن؛ لقد اضطر هيكل إلى الرجوع - مؤقتا - إلى قاعدة التأليه
وهو يقول أيضا: (المادة التي فرضناها لا تتنافى مع الله) ، لكنه ما لبث أن زاغ إذ يقول: (بل هي - أي المادة - الله نفسه، إله داخل الطبيعة متطابق معها) .
وهنا يصبح لـ"هيكل"دين خاص به، وإله مزيف يدعي أنه استنبطه من العلم وأنه - وياللعجب - يرفضه إن جاء من الوحي، يقول: (الأديان تقوم على الوحي، والعلم لا يعرف إلا التجربة، ولا يمكن لصاحب عقل مستنير أن ينتمي لكليهما في آن واحد، بل يضطر إلى الاختيار، واليوم لا يملك الشخص الغريب عن الثقافة الحديثة - يقصد الفلسفة العلمية - من العقل إلا مقدار ما كان يملكه أقاربنا من الثدييات كالقردة أو الكلاب أو الفيلة) !!
يقول"أميل بوترو"في تعليقه على هذا الاتجاه: (نحن إذا مضينا مع النتائج العلمية لهذه الفلسفة أفضت بنا إلى العبادة الثلاثية للحق والخير والجمال، وهو ثالوث واقعي يحل محل الثالوث الوهمي للمسيحية) [28] .
ولقد كان هيكل واهما عندما اعتقد أنه بواحديته هذه يهدم الأديان لثنائيتها، ذلك أن الأديان تقوم أيضا على مذهب الوحدة، وهو لم يفعل إلا أن اقترح دينا زائفا يقوم على مذهب ميتافيزيقي - لاعلمي - في وحدة الوجود، إنه؛ يختم تعاليمه في الواحدية بالابتهال إلى الله المبدأ المشترك للخير والجمال والحق، ويقول: (إن الحق والخير والجمال هي الآلهة الثلاثة التي نركع أمامها في إخلاص، ولتمجيد هذا المثل الأعلى، الله الواحد والثلاثة حقا، سيرفع القرن العشرون الهياكل) [29] .
إنها صناعة العرائس الشمعية التي أجادها الغرب ... لسنا بصدد تتبعها تفصيلا في هذا المقال بأكثر من إظهار أن هذا الإلحاد العلمي المعاصر ومن ورائه العلمانية المترهلة قد كذبوا على الناس وعلى التاريخ عندما تقدموا بمشروعهم في استبعاد الدين، فإذا هم يخبئون تحت القبعة دينا شمعيا لا يصمد أمام وخزة بحث صادق.
وبحسب هدفنا المحدد في هذا المقال يكفي أن نستشهد - ونحن بصدد فضح هذا الهدف العلماني الإلحادي العلمي المعاصر - بما قاله الأستاذ إسماعيل مظهر في تعليقه على أحد كبار العلمانيين في البلاد العربية في بداية القرن العشرين، إذ يقول: (لماذا حمل دكتور"شبلي شميل"على الأديان؟ حمل عليها متابعة لرأيه المادي جريا وراء غاية محدودة، غاية سعى إليها كثير من ماديي القرن الثامن عشر، وتنحصر تلك الغاية في أن يتبدل الناس بدينهم دينا آخر .. وما هو ذلك الدين؟ هو عبادة المادة، أرادوا أن ينظروا إليها على أنها المصدر الأول للإنسان، والعلة الأولى التي فطرته، وأنها التي تحبوه بأسلوب الحياة التي ينعم بها فوق هذه الأرض، ناهيك عن أن إليها مرده وعاده) [30] .
وكما يقول"ليوبولد فايس"عن عبادة الأوربي المعاصر - قبل ظهور الانقلاب الديني المسيـ/ـصهيوني أخيرا وبالرغم منه: (إن الأوربي العادي سواء أكان ديموقراطيا أو فاشيا أو رأسماليا أو بلشفيا، صانعا أو مفكرا، يعرف دينا واحدا هو التعبد للترقي المادي، أي الاعتقاد بأن ليس في الحياة هدف آخر سوى جعل هذه الحياة نفسها أيسر فأيسر، أو كما يقول التعبير الدارج"طليقة من ظلم الطبيعة"،