الصفحة 38 من 47

[الكاتب: يحيى هاشم حسن فرغل]

يفترض طه حسين في كتابه"من بعيد"- الذي نشر عام 1935 - ونشر فيه بحثا تحت عنوان"بين العلم والدين"حتمية الخصومة بين العلم والدين، ثم يقرر أن حل هذه الخصومة إنما يكون بإقامة حكومة لادينية، ذلك أنه بعد أن يستعرض أسباب هذه الخصومة في رأيه، يتحدث عن السبيل لإزالة هذه الخصومة.

فيقول: (السبيل هو إقامة حكومة لادينية تعتمد فكرة الوطنية ذلك أن فكرة الوطنية وما يتصل بها من المنافع الاقتصادية والسياسية الخالصة قامت الآن في تكوين الدول وتدبير سياستها مقام فكرة الدين، أو مقام هذه النظريات الفلسفية الميتافيزيقية التي كانت تقوم عليها) ، ثم يقول: (وإنما تقوم الحكومة الحديثة في أقطار الأرض المتحضرة الآن على أساس سياسي خالص من المنفعة الاقتصادية والمدنية لا أكثر ولا اقل، وقد فرغ الناس من هذا وأصبحوا لا يفكرون في أن الحكومة تقوم على الدين أو لا تقوم عليه) .

وإذن فإن طه حسين ورواده وأتباعه يعرضون علينا العلمانية - وما يزالون منذ أكثر من سبعين عاما - باعتبارها حلا لقضية العلاقة بين العلم والدين، ضمن ما تتعرض لحله من أمور أخرى!!

ولن نتعرض في هذا المقال لما فرغنا من بيانه في مقالات أخرى من كذب هذه الدعوى في جوانب مختلفة من حيث توصيفها لعلمانية الغرب، نشأة ومآلا او صحة قياس الحالة الإسلامية عليها، أو صلاحيتها للتجذر في بيئة إسلامية، أو قياس مدى النجاح الذي حققته هذه الدعوة في الغرب أو في الشرق على السواء.

ولكنا نعنى هنا بالذات ببطلان دعواها في توصيف العلاقة بين العلم والدين.

نذهب إلى أن نقد التيارات الفكرية المعاصرة - ومنها العلمانية - في خصومتها مع الدين تتم ضمن نظرية شاملة؛ ترى أن هذه التيارات تنطلق جميعا من وجهة نظر معينة في العلاقة بين الدين والعلم، وتقدم رؤيتها من خلال معتقدات ... فهي دين بوجه ما. وترتكز مقاومة هذه التيارات - في ضوء هذه النظرية على تصحيح العلاقة بين الدين والعلم، وإبراز معتقدية الأسس التي تقوم عليها تلك التيارات، وضرب القواعد التي تنطلق منها.

ومن هنا تبرز أهمية دراسة العلاقة بين العلم والدين. ونحن لا نعني هنا بدراسة هذه العلاقة بسرد أدوارها التاريخية التي مرت بها في الحضارات المختلفة، بقدر ما نعني بدراسة وضعية هذه العلاقات في نظر المفكرين المعاصرين.

وهنا يمكننا أن نصنف هذه الأنظار إلى ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الأول: يري ضرورة"الفصل"بينهما فصلا تاما. بحيث يكون لكل منهما مجاله الخاص، يقرر بحرية ما يشاء دون تدخل من الطرف الآخر على وجه الإطلاق. فهو فصل في الوسائل والنتائج على السواء.

يقول أميل بوترو في كتابه"العلم والدين": (لقد ظن البعض في نهاية القرن التاسع عشر أن المشكلة بين الدين والعلم حلت بوضعهما في ثنائية حاسمة يصبح فيها كل منهما مطلقا على طريقته، ومتميزا عن صاحبه تميز الذكاء والعاطفة، أو تميز العقل والقلب، واستنادا إلى هذه الثنائية لاح إمكان وجودهما معا في صدر إنسان واحد، بحيث يقومان جنبا إلى جنب، على أن يتفادى كل منهما بحث مبادئ الآخر ووسائله ونتائجه) .

أ) ويبدو أن هذا الاتجاه هو ما تحاوله المسيحية المعاصرة، إذ لا يرى المسيحي المعاصر بأسا في التناقض بين ما يقرره العلم في الجامعة، وبين ما تقرره المسيحية في الكتاب المقدس:

-فالأناجيل - على سبيل المثال - تقرر نسب المسيح على نحوين متناقضين تماما بين ما جاء في إنجيل متى وإنجيل لوقا.

-والعهد القديم من الكتاب المقدس - على سبيل المثال أيضا - يقرر ظهور الليل والنهار والصباح في اليوم الأول قبل خلق الشمس والنجوم في اليوم الرابع، وهذا ما يتعارض مع العلم.

-وفيه أن الله خلق النبات في اليوم الثالث قبل أن يخلق الشمس في اليوم الرابع، وهذا ما يتعارض مع العلم أيضا.

-وفيه أن خلق العالم يرجع إلى حوالي ستة آلاف عام لا أكثر وهذا يتعارض مع العلم كذلك.

-وفيه أن الطوفان عندما حدث اكتسح المعمورة كلها وأنه حدث في القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد وهو عصر ظلت معه وبعده حضارات سابقة في مصر وبابل دون مساس، وهذا يتعارض مع العلم أيضًا. [أنظر"دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة"لموريس بوكاى نشر دار المعارف ص 41 إلى ص 47 ص 53] .

وهذه معارضات لا تحتمل التملص، ولا تحتمل التوفيق. وهنا كان لابد للاتجاه الديني المسيحي من أن يلجأ إلى وضع العلاقة بين العلم والدين في وضعية الفصل بينهما.

يذهب المسيحي إلى الكنيسة ليستمع في هدوء تام إلى تلك الروايات المتعارضة مع العلم، كما يمارس عملية الاتحاد بجسد المسيح المرفوضة علميا. ثم يخرج من الكنيسة ليقرر في الجامعة أو في المعمل أو في مركز البحوث العلمية: أمورا تتعارض تماما مع ما استمع إليه هناك.

وقد لجأ إلى هذا الحل أيضا - الفصل التام بين العلم والدين - بعض المستغربين من المسلمين الذين اعتنقوا مذاهب الحادية - وضعية، أو وضعية منطقية أو مادية، أو ماركسية الخ - وعندما طعنوا في السن، أو رجعوا إلى أوطانهم وجدوا صراعا داخليا لم يصل بهم إلى حد الاعتراف بالإلحاد أمام أنفسهم، أو أمام الناس فباركوا هذا الحل ونادوا بالفصل، وتوزيع الاختصاص، وقالوا: نمارس الدين في ساعة هي للوجدان، ونمارس العلم في ساعة هي للعقل، أو كما يقول - بعضهم - جعلوا في صدورهم بيتين، أو غرفتين - أو قلبين؟؟ - غير مبالين بقوله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} .

إن هؤلاء المستغربين عندما فعلوا ذلك لم يفعلوه لمعارضة بين العلم والإسلام، ولكن لمعارضة بين الإسلام وما اعتنقوه من مذاهب.

ومن الأغاليط الشائعة أن هؤلاء يروجون للعلم على أساس أنه هو الذي يتجاوب مع"العقل"ويغذيه بينما الدين يخص العاطفة، وهم في ذلك واهمون أو جاهلون بالتطور الذي صار إليه العلم: فالعلم يتصل بالمشاهدات والخبرات اليومية المباشرة ليستخرج منها مبادئ، أما العقل فهو يتصل بالبديهيات الجلية ليستخرج منها فلسفة.

يقول فيليب فرانك في كتابه"فلسفة العلم"- ص 33 -: (وضع مبادئ نستطيع أن نستنبط منها تطبيقات وحقائق مشهودة هو ما نسميه اليوم"علما"والعلم لا يهتم كثيرا بما إذا كانت هذه المبادئ معقولة أم لا، فهذا أمر لا يعنى العالِم كعالِم، وفى كثير من الكتب الدراسية نجد ما ينص على أنه ليس من المهم إطلاقا أن تكون هذه المبادئ معقولة، وتذكر هذه الكتب أن مبادئ علوم القرن العشرين كالنسبية ونظرية الكم ليست معقولة على الإطلاق، ولكنها متناقضة في ظاهرها ومشوشة، وعندما ظهرت مبادئ النسبية وميكانيكا الكم قال بعض الناس؛ ربما أمكن استنباط نتائج مفيدة من هذه المبادئ، ولكن المبادئ نفسها غامضة، بل هي في ظاهرها متناقضة، إنها تخدم غرضا معينا إلا أنها ليست جلية) .

وما يزيد الأمر وضوحا في الانفصال الذي يزداد يوما بعد يوم بين مجال التفكير العلمي والتفكير الفلسفي أو العقلي، ما يقوله فيليب فرانك: (كثير من المصطلحات التي كانت تستخدم من قبل في لغة العلم لم يعد ممكنا أن تستخدم الآن، لأن المبادئ العامة المعاصرة تستخدم الآن مصطلحات أكثر نأيا عن لغة الفطرة السليمة 0 فالتعبيرات من طراز"العقل"و"المادة"و"السبب"و"النتيجة"هي اليوم مجرد تعبيرات فطرة سليمة 0 وليس لها مكان في الحديث العلمي الدقيق، وعلينا لكي ندرك هذا التطور أن نقارن بين فيزياء القرن العشرين، وسالفتها في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، لقد استخدمت الميكانيكا النيوتونية مصطلحات مثل"الكتلة"و"القوة"و"الموضع"و"السرعة"بمعنى يبدو قريبا - إلى حد ما - من استخداماتها في الفطرة السليمة، وفى نظرية أينشتاين للجاذبية نجد مصطلحات مثل"إحداثيات الحدث"أو"الجهود الممتدة الكمية"وهى مصطلحات تحتاج إلى سلسلة طويلة من التفسيرات لكي ترتبط بلغة الفطرة السليمة، ونجد هذا الأمر أكثر صحة في مصطلحات نظرية الكم مثل"الدالة الموجبة"و"مصفوفات الموضع"... الخ، وقد تحدث أينشتاين في محاضرة له في أكسفورد عام 1933 عن"الفجوة التي يتزايد اتساعها بين المفاهيم والقوانين الأساسية من ناحية والنتائج التي يجب أن نربطها بخبرتنا من ناحية أخرى وهى الفجوة التي تتسع باضطراد"، يقول هربرت دنجل؛ إنني عندما أؤكد على ضرورة تحرير الفلسفة العلمية من تطفل المفاهيم"المستساغة"و"مفاهيم الفطرة السليمة"فإني لا أفعل ذلك للحط من قيمة الفطرة السليمة، وإنما لأن الخطر الأكبر إنما يكمن اليوم في هذا التشويش) [أنظر فلسفة العلم ص 70 - 71] .

ولكن المستغربين عندنا عندما يستلهمون الغرب فإنهم يرجعون عادة لما هم عليه من كسل عقلي وانتهازية ثقافية يرجعون إلى معلومات قديمة مستهلكة، فينطلقون إلى إعلان الخصومة بين الدين والعلم توهما منهم أنه - أي العلم - هو الذي يمثل العقل فوجب في تقديرهم أن تكون الخصومة بين الدين والعقل أصلا، ومن ثم بينه وبين العلم تبعا، وكان الحل الذي"اهتدوا"إليه في استبقاء ما يسمى"الفصل"بدلا مما يسمى"الخصومة"، ظنا منهم أن الفصل بين أمرين يقبل المعايشة بينهما، كما هو الحال في الفصل القائم بين العقل والقلب مع استمرار المعايشة القائمة بينهما، وابتدع بعضهم لهذا الفصل صيغة تشبيهية مخففة أطلق عليها"الغرفتين"وقالوا: نمارس الدين في ساعة هي للوجدان، ونمارس العلم في ساعة هي للعقل، أو كما فعل - بعضهم -: جعلوا في صدورهم بيتين، أو غرفتين، إحداهما للعلم والثانية للدين دون مراجعة من إحداهما للأخرى.

وإذا كان هذا الحل قد نادى به بعض المستغربين من بعض المسلمين فإن الإسلام لم يكن ليقبل هذا الحل: من ناحية لأنه هو الإسلام الشامل للعقل والقلب والجسد جميعا، ولأنه غير مضطر لشيء من ذلك من ناحية أخرى، لأنه كما يقول موريس بوكاي عن القرآن: (إن القرآن لا يخلو فقط من متناقضات الرواية - وهى السمة البارزة في مختلف صياغات الإنجيل، بل هو يظهر أيضا - لكل من يشرع في دراسته بموضوعية وعلى ضوء العلوم - التوافق التام مع المعطيات العلمية) [دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة"لموريس بوكاى ص 285] ."

ونحن لا نشير إلى هذا التوافق الذي أشار إليه بوكاي باعتباره صياغة نموذجية للعلاقة بين العلم والدين، فلهذا كلام مقبل، ولكن باعتباره دليلا على عدم اضطرار المسلم إلى وضعية"الفصل".

ب) وبعد؛ فهل وضعية"الفصل"هذه مقبولة علميا أو مقبولة دينيا؟

وللرد على هذا السؤال نقول بالنفي، على المستويين، العلمي والديني.

أما العلمي؛ فلأن البحث العلمي في شخصية الإنسان ينتهي إلى كونها وحدة متداخلة متكاملة لا تستقر بغير التمازج والتوافق بين عناصرها المختلفة. فليس في مقدور إنسان أن ينشئ في داخله قلبين، أو أن يعزل في صدره بين حجرتين لتكون إحداهما مخزنا لقرارات تنكرها مخزونات الحجرة الأخرى، وكما يقول أميل بوترو عن هذه الوضعية: (إن المشكلة حلت بذلك في عالم التصورات أما في عالم الواقع فليس الأمر كذلك، إذ أين نجد في الإنسان الحد الفاصل بين العقل والقلب؟ وأين نجد في الطبيعة الحد الفاصل بين الأجسام والأرواح؟ ... ) .

إنه لا مفر تحت وضعية الفصل هذه من أن تصير شخصية الإنسان إلى أحد أمرين: إما المرض والانحلال، وإما التوثب لغلبة أحد الجانبين للآخر، وهذا هو سر الانفصال الذي يتغلغل في شخصية الأوربي المعاصر، المتعرض لتيار العلم وتيار الدين، أو هو سر الانغلاق الذي يحتمي فيه بتيار ضد تيار آخر.

وأما على المستوى الديني: فهذه الوضعية مرفوضة إسلاميا، لأن الإسلام هو الإسلام الشامل، هو الذي يحتوى الشخصية من جميع أقطارها، ولا يرضى لها بغير ذلك وانظر ما كتبناه في ذلك في مقالنا السابق بعنوان"لا علمانية مع الإسلام"وهكذا ينبغي أن يكون الدين.

الاتجاه الثاني:

الوضعية الثانية المقترحة لإرساء العلاقة بين العلم والدين: هي وضعية (التوفيق) بينهما في النتائج: وإن اختلفت الوسائل.

ومن الواضح أن هذا الشعار - شعار التوفيق - إنما يرفع في ظل سيادة العلم، فهو يعنى أن يكون المرجع في عملية التوفيق هذه إلى العلم لا إلى الدين، ومعنى هذا أن يعاد تفسير الدين أو نصوصه أو معطياته - عندما يبدو أنها تتعارض مع العلم - لكي تتفق مع مقررات العلم التي يستقل بتقريرها بحرية كاملة، دون وصاية من أحد .. وشرط هذا التوفيق أن يبدو النص الديني متقبلا للتفسير الجديد، دون محاولة التخلص منه.

ويبدو أن هذا الاتجاه تمارسه المسيحية جزئيا عندما يكون هذا التوفيق ممكنا، كما يمارسه بعض الدعاة في الإسلام وهو سهل عليهم، لما سبق أن قررناه عن خلو القرآن من التناقض مع العلم.

ونحن نقر هذا الاتجاه في مجال الدعوة التي تستهدف الهداية، ولا نقره في مجال تأصيل القضية: قضية صياغة العلاقة بين العلم والدين. ذلك لأنه في مجال الدعوة يباح للداعية أن يؤثر في المدعو بما يتيسر له من وسائل مقبولة ومستحبة، إذ العبرة في الوصول إلى هداية المدعو، وعندئذ للداعية أن يتوسل لذلك بالقدوة الشخصية، وله أن يتوسل لذلك بنوع من السلوك المحبب، وله أن يتوسل لذلك باعتماد المدعو لوسيلة الفلسفة أو العقل، وله أن يتوسل لذلك باعتماد المدعو لوسيلة الوجدان، وله أن يتوسل لذلك باعتماد المدعو لوسيلة"العلم"... الخ.

إذ العبرة في النهاية بجذب المدعو إلى ساحة النجاة، وأمن الإيمان، بالمقياس الذي يرتاح إليه. أما في مقياس النظر الأصولي في وضعية العلاقة بين العلم والدين، فذلك الوضع - وضعية التوفيق - غير مقبول في مقياس الفلسفة العلمية أو في مقياس العقيدة الدينية على السواء.

أ) أما انه غير مقبول في باب الفلسفة العلمية فذلك: لأن العلم لا يقر بمشروعية استفادة الدين به، وهو يرى أن تصديقه لبعض حقائق الدين إنما يقع اتفاقا - أي مصادفة -، أو هو على أحسن الفروض ظاهرة تفتقر إلى تفسير تجريبي مفتوح على المستقبل، وهو على كل حال اتفاق لا قيمة له في نظر المنهج العلمي.

ومن وجهة نظر المنهج العلمي، وكما يقول أحد فلاسفة الإلحاد المعاصرين - أرنست هيكل 1840/ 1919 -: (الأديان تقوم على الوحي، والعلم لا يعرف إلا التجربة، ولا قيمة في نظره لأي فكرة إذا لم تكن تعبيرا مباشرا عن وقائع، أو نتيجة لاستنباط محدود قائم على القوانين الطبيعية) .

وكما يقول أحد الفلاسفة المعاصرين - أميل بوترو: (إن العلم أصبح يكفى نفسه في نموه وتطوره، وإن أول سمة للروح العلمية من الآن فصاعدا هي عدم التسليم بأي مبدأ للبحث، وأي مصدر للمعرفة سوى التجربة، فالعلم يوضع في نظر العالِم كأنه أمر أولي مطلق، ومن العبث أن يطلب منه اتفاقه مع أي شيء ... ) ، (وبالرغم من أن العلم الحديث يتسم بالتواضع، ويعترف بنسبية المعلومات التي يتوصل إليها ولا يدعى لها الصحة المطلقة إلا أن ذلك لا يعني - في مفهوم العلم التجريبي - أنه يعترف بأن خارج الميدان الذي يتحرك فيه العلم يوجد ميدان آخر يباح لأنظمة أخرى أن تعيش فيه، ولكنه على العكس من ذلك يعمل على أن يمنع العقل البشرى من ارتياد أي ميدان ليس في متناول العلم، لأنه إذا كان ثمة شئ لا يمكن أن يعرفه العلم فهذا الشيء من باب أولى لا يمكن أن يعرفه أي نظام آخر) .

والعلم وفقا لإحساسه - المزيف - بالكفاية التي يختص بها نفسه فانه حين يقول: إني أعلم، فمعنى ذلك أن الشيء الذي يعلمه موجود بالنسبة للمعرفة البشرية، وحين يقول العلم: لا أعلم فهذا يعنى إن أحدا لن يدعي المعرفة. وبناء على ذلك فإن العلم الحديث المتواضع العارف لحدوده ليس أكثر ملاءمة للدين من العلم الدجماطيقي - أي القطعي -، فالدين من وجهة نظر العلم - في الحالتين - ليس إلا مجموعة تصورات تعسفية. ولا يكفى - من وجهة نظر العلم - أن نتعلل بأن ما نتمسك به مما يتجاوز حدود العلم يمكن أن يأخذ مكانته باعتباره"اعتقادا"لأن"الاعتقاد"من وجهة النظر العلمية ليس له قيمة إلا إذا كان ثمرة ملاحظة وتجريب.

ب) أما أن هذا الاتجاه - أعنى وضعية التوفيق على أساس العلم - غير مقبول دينيا:

فذلك لأن هذا التوفيق - وقد أشرنا إلى أنه يتم على أساس العلم - يلغى جوهرية الدين ويسقطه من منزلته. ذلك لأن جوهر الدين يقوم في كونه متبوعا لا تابعا، إنه كلمة الوحي ولا يمكن أن تنتظر كلمة الوحي أو تتعطل أو تتحور تبعا لكلمة العلم مهما تكن درجته من الظن أو درجته من اليقين.

-والدين بغير وحي ليس دينا.

-والدين بغير اتَباع ليس دينا.

وعلى هذا فإن الدين ينكر هذه الوضعية المقترحة وضعية"التوفيق"بينه وبين العلم، وهى كما قلنا تقوم - عصريا - على سيادة كلمة العلم.

وقد يقول قائل: إن هذه التبعية ليست للعلم إلا لأنه حق، والدين لا يتعارض مع الحق، وهذا شبيه بما قاله ابن رشد في كتابه"فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال"في التوفيق بين الدين والفلسفة.

وهنا نحيل مرة أخرى إلى المنهج إجمالا فنقول: منهجيا من الذي يحق له أن يعلن أنه توصل إلى"الحق"؟ الوحي؟ أم جهد بشرى في الفلسفة؟ أم جهد بشرى في العلم؟

من الواضح أن"الدين"لا يمكن أن يتنازل عن سيادته المنهجية إلا بالتنازل عن كيانه وجوهره.

كما نود فيما يأتي أن نفصل الكلام في هذه المسألة بعض التفصيل من ناحية المسائل التي يتقدم بها العلم لتوضيح بطلان المطابقة بين العلم والحق؛

مسائل العلم يمكن تصنيفها إلى ثلاث مجموعات:

1)النظريات؛ كنظرية النشوء والارتقاء.

2)والقوانين؛ كقانون الجاذبية.

3)والوصف المباشر للوقائع؛ مثل إحصائية لحركة المرور في شارع أو ميدان، أو الكشف عن أطوار التكوين للجنين.

ومن الواضح أنه لا مجال لافتراض التعارض بين الدين الصحيح وبين الوصف المباشر للوقائع وذلك لسبب بسيط هو أن هذا الوصف لم يكن يوما - ولن يكون - ملكا للعلم على أي نحو من الأنحاء. إنه مقدمة للدخول في العلم؛ والعلم إنما يبدأ بوضع هذا الوصف في نظرية أو قانون.

يقول فيليب فرانك في كتابه"فلسفة العلم": (إن مجرد تسجيل المشاهدات لا يزودنا إلا بنقاط"راقصة"، وأن العلم لا يبدأ إلا إذا استطردنا من هذه الخبرات المستساغة"خبرات الفطرة السليمة"إلى الأنماط البسيطة للوصوف التي نسميها"نظريات" [انظر فلسفة العلم لفيليب فرانك ص 24 ومابعدها] ، لنتخيل أننا أسقطنا جسما في الهواء. وليكن مثلا قصاصه ورق خفيفة"مثل ورقة السيجارة"فماذا يحدث؟ إذا فعلنا ذلك مرات عديدة - مئات أو آلاف المرات - فسوف نلحظ أن تحرك الورقة يختلف في كل مرة عن تحركها في المرات الأخرى. وتراكم هذه المشاهدات ليس علما. وليست هذه هي الطريقة التي يعمل بها الفيزيائي ما لم تكن في مجال غير متقدم كثيرا حيث لا يكاد يعرف عنه أي شيء) [فلسفة العلم ص 24 - 25] .

ومن جهة أخرى يقول فيليب فرانك أيضا: (من المهم أن نتذكر دائما أن العلم ليس جمعا للحقائق. فليس هناك علم يبنى بهذه الطريقة. فإذا جمعنا نصوصا تبين الأيام التي يسقط فيها الجليد على لوس أنجلوس فهذا ليس علما، ولا يكون لدينا علم إلا إذا وضعنا مبادئ نستطيع أن نستنبط منها الأيام التي سوف يسقط فيها الجليد على لوس أنجلوس. وفوق ذلك إذا كانت المبادئ التي نضعها تبلغ من التعقيد حدا مثلما تبلغه الخبرة ذاتها فلن يكون ذلك اقتصادا ولن يكون علما بمعناه المحدد. إن عددا كبيرا من المبادئ يستوي مع مبدأ واحد شديد التعقيد ... إذا لم يكن هناك عدد صغير من المبادئ، وإذا لم يكن هناك تبسيط فلن يكون هناك علم وإذا قال امرؤ إنه لا يريد معادلات، وأن ما يريده هو مجرد الحقائق كلها، فإنه يكون ساعيا فقط إلى الخطوة التمهيدية للعلم، وليس إلى العلم نفسه) [فلسفة العلم لفيليب فرانك ص 66 - 67] .

فإذا نحن استبعدنا الحقائق المفردة من مجال بحث العلاقة بين العلم والدين ينتقل بنا الكلام عن هذه العلاقة في مجال النظريات والقوانين العلمية.

وهنا نعود لمناقشة القول بأن العلم يمثل"الحق".. لنحيل إلى ما تقرر في الأوساط العلمية من أنه لا يقين في العلم، وإنما ظنون وظنون، تقدم للتجربة، لتمتحن فيها، لتتعدل إلى ظنون أخرى لتقدم للتجربة، لتمتحن مرة أخرى، وهكذا بغير نهاية، وهذه هي نقطة الضعف في العلم، وهى سر الاستمرار والتقدم فيه أيضا.

إن الاتجاه الوضعي المعاصر يذهب إلى اعتبار القانون العلمي اختراعا وليس كشفا.

يقول فيليب فرانك: (يبحث العالم عن صيغة يستطيع المرء أن يستنبط منها الوقائع المشاهدة ويتطلب العثور عليها تصورا خلاقا من جانب العالم. وإذا أردنا أن نصف هذا العثور على الصيغة فإن هناك طريقتين لهذا الوصف؛ فيمكننا أن نقول: إن هذه الصيغة من اختراع العالِم، وأنه لم يكن لها وجود قبل أن يعثر عليها العالِم. إننا نقارنها باختراع مثل اختراع التليفون الذي لم يكن موجودا قبل أن يخترعه"الكسندر جراهام بل"فالفرض أو الصيغة هي نتاج للتصور البشري، هي نتاج لقدرة العالِم على الاختراع. ويجب اختبارها بالتجربة الحسية. والطريقة الثانية يمكن أن نقول: إن الصيغة كانت موجودة دائما ضمن الحقائق المتطورة، وقد اكتشفها العالِم كما اكتشف كولومبس أمريكا والعالم ليس مخترعا، إنه"يبصر"الصيغة"بفطرة الباطن"... فالعالم يستخدم البصيرة في اكتشاف الصيغة) .

وهنا يأتى السؤال: أي الطريقتين نختار؟

يقول فيليب فرانك: (تتفق الطريقة الأخيرة في وصف نشاط العالِم مع تقاليد الفلسفة المدرسية"الكلاسيكية") .

وهذه الفلسفة كانت - كما يقول هانزريشنباخ: (تعتقد بوجود بصيرة رؤية بواسطة العقل تناظر الرؤية بواسطة العين، وهذا التماثل بين الرؤية بالعقل والرؤية بالعين هو الذي دعا الفلسفةالتقليدية إلى القول بأن البدهيات غنية عن البرهان) [أنظر فلسفة العلم ص37] .

أما الطريقة الأولى التي تصف العالِم بأنه مُخترع فهي - كما يقول فيليب فرانك: (أقرب إلى خط الفلسفة الوضعية، والفلسفة الذرائعية) ، ويقول: (يقول المحدثون من العلماء إن الفروض والصيغ من نتائج التخيل، وإنما تختبر بالتجربة والخطأ .. ) [فلسفة العلم ص 34، 35] .

وسواء كان هذا أو ذاك فهي تتزحزح عن مرتبة اليقين.

إن العلماء يصرحون اليوم بأن التجربة تعزز الفرض ولا تثبته، وانه لا يوجد ما يسمى"التجربة الحاسمة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت