أما هياكل هذه الديانة؛ فهي المصانع العظيمة، ودور السينما، والمختبرات الكيميائية، وباحات الرقص، وأماكن توليد الطاقة. وأما كهنة هذه الديانة؛ فهم الصيارفة والمهندسون وكواكب السينما وقادة الصناعات وأبطال الطيران. وأن النتيجة التي لا مفر منها في هذه الحال هي الكدح وبلوغ القوة والمسرة، وذلك بخلق جماعات متخاصمة مدججة بالسلاح ومصممة على أن يفني بعضها بعضا حينما تتصادم مصالحها المتقابلة، أما على الجانب الثقافي فنتيجة ذلك خلق نوع بشري تنحصر فلسفته الأخلاقية في مسائل الفائدة العملية، ويكون أسمى فارق لديه بين الخير والشر إنما هو التقدم المادي) [31] .
أما عن الخاصة الخامسة من خصائص الدين بشكل عام - ما صح منه وما لم يصح - فتلك هي؛ انتظار الآخرة، أو المستقبل الذي يعالج نقائص الوضع الحاضر:
وقد يستغرب القارئ العزيز عندما نؤكد أن اتجاهات الإلحاد العلمي المعاصر تشترك على اختلافها في الاعتقاد بنوع مزعوم من الحياة المؤجلة التي يستكمل فيها ما نقص من هذه الحياة الحاضرة.
وهذه هي السمة الهيكلية الخامسة من سمات الدين التي أشرنا إليها في مستهل هذا الفصل، مع التأكيد الأشد على أن الإلحاد العلمي المعاصر إنما يقدمها بالطريقة الشمعية ذاتها، وليست نظرة الإلحاد العلمي المعاصر إلى المستقبل مجرد نوع من التوقع أو التكهن لما يأتي في الغد، وإنما عقيدة لازمة من أجل تبرير ما يستمسك به من نظرة إلى الماضي وإلى الحاضر، وبدون هذه النظرة المستقبلية الاعتقادية ينهار البناء الكلي للاتجاه الإلحادي.
يقول"وليم جيمس"الفيلسوف الأمريكي المعروف: (إن ثورة العلم ضد الكرامات وخوارق العادات وثورة بعض الفلاسفة ضد حرية الإرادة لم تنبت كلها إلا من أصل واحد هو كراهية الاعتراف بوجود عنصر يمكن أن يشككنا فيما عرفناه عن المستقبل) [32] .
فهؤلاء يستنيمون في غيبوبة إلى عقيدة غيبية عن المستقبل تزعجهم عنها الكرامات!
ففي مجال العلم البحت - مثلا - لا بد من هذه النظرة عند سماسرة الإلحاد لتصح دعواه في كفاية العلم التجريبي لتفسير الوجود وتفسير المستقبل وإزاحة الدين والميتافيزيقا من هذا الطريق.
وكمثال على ذلك؛ ولما كان مبدأ عدم التحدد في حركة جزيئات الذرة قد فتح الباب مرة ثانية أمام الفكر الديني لإسناد النظام والتحديد إلى إرادة الخالق، فإن"برتراند رسل"يلجأ إلى أمنية في رؤية مستقبلية يأمل فيها أن تعود الفيزياء إلى فكرة التحدد الصارم في حركة جزيئات الذرة وقفل الباب - حسب زعمه - أمام التفسيرات الإلهية حول هذه القضية.
وفي"ديانة الإنسانية"عند"أوجست كونت"كان لا بد من تلفيق نظرة مستقبلية في مكافأة أبطال الإنسانية الذين لا يلقون الجزاء في حياتهم بأن يكون هذا الجزاء فيما يسميه"الخلود في الإنسانية"أو"الإنسانية الخالدة"، وعنده أن الإنسانية تتألف من الأموات أكثر مما تتألف من الأحياء، هؤلاء الأموات يعيشون في ذكرى الأجيال الحاضرة، وهي فيما يتخيل أو يتوهم؛ (ذكرى متحركة فعالة مؤثرة، فالأموات يؤثرون في الأحياء بما يبعثونه فيهم من غيرة نبيلة، تدفعهم إلى أن يكونوا جديرين بالانضواء تحت لواء أجدادهم العظماء) !!
هذه ليست حياة للأموات ولو اقسم على ذلك"أوجست كونت"بشرف آبائه، إنها نوع من الارتكاس إلى عبادة الأسلاف في الديانات الوثنية، ولكن على مستوى عال من الشعوذة، وبما لا يستحق التعليق بأكثر.
وفي الديانة الماركسية نجد الحلم الذي تنصبه للإنسانية في قيام مستقبل تزول فيه الطبقات والدولة وتتحقق الشيوعية وتتوفر الاحتياجات كلها لكل الأفراد، وهي إذ تمني الشعوب الرازحة تحت سلطانها بمستقبل - آخرة - غير منظورة، فإنها تفعل ذلك لتبرير ما تقوم به من سحق الأجيال الحاضرة وتخديرها عن عذاباتها الراهنة - الدنيوية - وهذا ما سجلته الوقائع التاريخية، ومن هنا فإنه لينبغي القول بأن هذه الفلسفة أحق بوصف"أفيون الشعوب"الذي رمت به الأديان من قبل.
إن للإلحاد نظامه المثلوب للمستقبل، وتوقعاته الكسيحة التي يرسمها له، وهو يدعو إليه بما يخفيه من منطق الإيمان والدين الوضعي الجديد، لا بما يعلنه من منطق النقد العلمي الذي استعمله في هدم بعض الأنظمة الأخرى، ولا نكون مبالغين إذا ذهبنا مع القول بأن ثورته ضد الخوارق والمعجزات ليست إلا كراهية للاعتراف بوجود عنصر يمكن أن يشككنا في المستقبل الذي يروج له كذبا باسم العلم.
وإذا كان صحيحا ما يقوله"وليم جيمس"من أنه؛ (لابد لكل مذهب فلسفي أو عقيدة دينية من تحديد إجمالي للمستقبل) ، وإذا كان من الصحيح أيضا ما يقوله من أنه لا بد لكي ينجح هذا التصور المستقبلي من أن؛ (يتناسب مع قوانا وميولنا الذاتية) [33] ، فإننا نقول؛ لابد لهذا التصور من أن يتصف قبل ذلك وبعد ذلك بالصدق، والقداسة، واليقين، والخلود الموضوعي، والربط بين الدنيا في مقابلة الحاضر، والآخرة في مقابله المستقبل. ولا شك أن الأنظمة الإلحادية لا تتصف واحدة ة منها بشيء من ذلك، بل هي على العكس من ذلك؛ تعلن إنكارها لها، أو تجاهلها إياها، أو استخفافها بها، وهذا سر من أسرار عجز المذاهب المادية وعجز أوثانها - مهما تسلحت بالعلم أو تدرعت بالعلمانية - عن أن تحوز قبول الإنسان، وإن لم يمنعها ذلك من إنشاب أظفارها في كيانه.
إن الإلحاد العلمي العلماني المعاصر وهو يهاجم الدين لم يفعل إلا أن استبدل دينا بدين، استبدل الدين المزيف بالدين الحق، استبدل الشمع بالروح، ولقد انطوى دينه الشمعي الزائف على الخصائص العامة التي هوجم الدين الحق من أجلها؛
· الاعتقاد الأولي.
· والتسليم بالغيبيات.
· وعبادة الموجود الذي يرجع إليه العالم.
· والوعد بالمستقبل.
وإن قدمها شمعية ميتة، وهذا في حد ذاته كاف في نقض هذا الإلحاد بما فيه من انفضاح للكذب، واستبدال المعبودات الشمعية بالمعبود الحق، ولم يفعل إلا أن دعا الناس إلى الهبوط بمستوى معبودهم إلى ما دون أقدامهم، وإلا أن دعاهم إلى الشرك والانتكاس إلى الوثنية باسم التقدم!!
وهذه واحدة - فقط - من فضائح العلمانية.
والله اعلم
[1] المصدر موقع الجزيرة، في السبت 30/ 5/1425هـ، الموافق 17/ 7/2004م
[2] أنظر كتاب"من حياة العلماء"، لتيودور بيرلاند، ترجمة الدكتور أحمد بدران، نشر دار النهضة العربية؛ ص 344
[3] المصدر السابق ص 345
[4] المصدر السابق ص 98 - 90
[5] أنظر"آراء فلسفية في ازمة العصر"لأدريين كوخ، أستاذة التاريخ بجامعة كاليفورنيا، ترجمة محمود محمود، نشر مكتبة الأنجلو، بالاشتراك مع مؤسسة فرانكلين، ط 1963
[6] المصدر السابق
[7] أنظر كتابه المشار إليه، ترجمة د جورج طعمة، نشر دار الثقافة بيروت، ج2 ص349 - 350 - 282 - 178
[8] أنظر كتابه"الفيلسوف والعلم"، ترجمة د أمين الشريف، نشر مؤسسة فرانكلين بالاشتراك مع المؤسسة الوطنية للطباعة والنشر، بيروت، ط 1965م، ص 183
[9] المصدر؛ كتابه"مواقف حاسمة في تاريخ العلم"، ترجمة د. أحمد زكي، نشر دار المعارف، ط 1963، ص 318، ص 82، وباستور هو مكتشف الميكروب 1895 م
[10] المصدر؛"العقل والدين"، ترجمة د. محمود حب الله، ط البابي الحلبي، عام 1949 م، ص 88 - 89
[11] المصدر السابق،"الفيلسوف والعلم"، ص 151 - 154
[12] المصدر؛ أنظر تلخيصا لكتابه"أركان العلم"، ترجمة د فؤاد زكريا بمجلة تراث الإنسانية، العدد 12، مجلد 3، ص 922
[13] المصدر تلخيص"المبادئ الأولى"لـ"هربرت سبنسر"، للدكتور زكريا إبراهيم بمجلة تراث الإنسانية، العدد الأول من المجلد الثالث.
[14] المصدر: كتابه"فلسفتي كيف تطورت"، ترجمة عبد الرشيد صادق، نشر مكتبة الأنجلو المصرية، عام 1960، ص 245 - 251.
[15] المصدر؛"العلم والدين"، ترجمة د فؤاد الأهواني، نشر الهيئة العامة للكتاب، عام 1973 م، ص 111
[16] المصدر: المصدر مجلة"العلم والمجتمع"، الطبعة العربية من مجلة IMPACT، عدد خاص عن العلم والظواهر الخارقة، نشر اليونسكو، العدد 19، عام 1975، ص 8 - 10.
[17] المصدر؛ كتابه"المشاكل الفلسفية للعلوم النووية"، ص 56 - 72 - 74
[18] ترجمة د. رمسيس شحاتة، ود. محمد مرسي احمد، ط عام 1967، ص 23، وجون كيمني"في المصدر السابق: كتابه"الفيلسوف والعلم"ص 88 - 89، و"هرمان راندال"في المصدر السابق في كتابه"تكوين العقل الحديث"ج2، ص 137."
[19] المصدر"الفيلسوف والعلم"، ص 183 - 197.
[20] المصدر؛ في كتابه"كيف تدور عجلة الحياة"، ترجمة د. محمد صابر سليم، نشر دار المعارف المصرية، عام 1957م، ص 117.
[21] المصدر السابق، ص 54
[22] المصدر"النسبية في متناول الجميع"، ص75
[23] المصدر؛ كتابه"العقل والمادة"، ترجمة أحمد إبراهيم الشريف، مراجعة الدكتور زكي نجيب محمود، ط 1975، ص 189، و197.
[24] المصدر:"العلم والدين"، ص 88 - 97
[25] المصدر:"العلم والدين"، ص 3 و 89 و 53
[26] المصدر:"مواقف حاسمة في تاريخ العلم"، لجيمس كونانت، ص 289 - 490
[27] المصدر؛ مجلة"ديوجين"العدد الثامن، نوفمبر 1968، ص 142
[28] انظر كتاب"الدين والعلم"، لأندرو ديكسون وايت، ترجمة الأستاذ إسماعيل مظهر، ص 19 - 110 - ، 111، و"العلم والدين"، لأميل بوترو، ص 113
[29] المصدر"العلم والدين"لأميل بوترو، ص 121 - 127
[30] المصدر؛ كتابه"ملقى السبيل في مذهب النشوء والارتقاء وأثره في الانقلاب الفكري الحديث"، ص 34، 155
[31] المصدر: كتابه"الإسلام على مفترق الطرق"، ترجمة د. عمر فروخ، ط بيروت التاسعة، 1977، ص 47 - 48
[32] المصدر؛"الدين والعقل"، ص 50
[33] أنظر كتابه المترجم"العقل والدين"، ص 50 - 51