الصفحة 33 من 47

وهاهي شهادة من الأستاذ جلال الدين الحمامصي عن ممارسات البابا جون بول الثاني السياسية التي توضع على أعلى مستويات الممارسات السياسية في العالم، فيقول: (قال أحد أساتذة العلوم السياسية؛ إن هناك ثلاثة من الزعماء يتسابقون بجدية أكثر من غيرهم نحو رسم وتحديد خطوط مستقبل العالم القريب والبعيد معا، في نظمه السياسية والاجتماعية، وهؤلاء الساسة هم"البابا جون بول الثاني"الذي ينادي بالتطبيق الديموقراطي في كل مكان، والزعيم"ميخائيل جورباتشوف"الذي يقود شعبه إلى تحول خطير، السيدة مارجريت تاتشر لالتزامها خلال توليها بمواقف محددة لا تحيد عنها ولا تخفي الحقائق عن شعبها في التزامها بديموقراطية بريطانية راسخة، والبابا"جون بول"يرتكز على قوة الكنيسة في بعض البلدان في مواجهة النظم الديكتاتورية التي لا تراعي حرمة حقوق الإنسان بل وتدوسها بأقدامها وجبروتها العسكري لتحقيق الاستقرار لذاتها، والبابا بول الثاني لا يتردد في مواجهة هذه النظم عن قرب، وفي مواقع نفوذها، فيخاطب الجماهير المغلوبة على أمرها، ولا ينسى وعظ حكامها بالتمرد على شيطان السلطة الذي يدفعهم إلى عدم احترام الإنسان أو الالتزام بحقوقه في كل المجالات) [الأخبار 29/ 6/1987] .

وقد جاءت أنشطة البابا على النحو السابق في سياق ما قرره المجمع السكسوني الثاني الذي عقد في 11/ 10/1962 حتى 8/ 12/1965، من قرارات امتزج فيها الطابع الديني بطابع السياسة العالمية، وتعد قرارات هذا المجمع - كما تقول الأستاذة الدكتورة زينب عبد العزيز أستاذة الحضارة بجامعتي الأزهر والمنوفية سابقًا في كتابها بعنوان"حرب صليبية بكل المقاييس"- ملزمة لكافة أصحاب القرار من ملوك ورؤساء في مختلف البلدان المسيحية والكنائس المختلفة واعتبرت المؤلفة هذا المجمع مجمعًا هجوميًّا لا توجد سابقة له في الحياة المجمعية والكنسية، وأهم حدث في تاريخ الكنيسة في القرن العشرين، وصدرت أعماله تحت عنوان"مجموعات قدسية"عن دار نشر"دوسير"الفرنسية وكان أهم القرارات التي اتخذها:

· تبرئة اليهود من دم المسيح، وجاءت هذه التبرئة بعد ألفي عام من إدانة اليهود في كل قداس أحد في كافة كنائس العالم على أنهم"قتلة الرب"!

· اقتلاع اليسار في عقد الثمانينات، وجاء ذلك بعد تحالف الفاتيكان مع الولايات المتحدة حيث عبر البابا يوحنا الثاني عن مخاوفه أن تتجه البلدان الشيوعية إلى الإسلام بعد هدم عقيدتها السياسية.

· اقتلاع الإسلام في التسعينات، حيث تكررت في هذا المجمع عبارة"لابد من تنصير العالم"، و"أن المسيح هو خاتم الرسل".

· توصيل الإنجيل إلى كافة البشر؛ حيث توجه البابا"يوحنا بولس"الثانى عام 1982 إلى مدينة"شانت يقب"وهى آخر مدينة وصل إليها الإسلام في أسبانيا، وأول مدينة سقطت في حروب الاسترداد النصرانية ليعلن مقولته المشهورة"لابد من إعادة تنصير العالم"، كذلك تم إنشاء قمر صناعي هو"لومن 2000"لإمطار الإنجيل على العالم.

· توحيد كافة الكنائس تحت لواء كاثوليكية روما، في محاولة لامتصاص الكنائس المنشقة وتوحيدها تحت لواء روما؛ لأن ذلك السبيل الوحيد للتخلص من المسلمين الذين فاقت أعدادهم الكاثوليك في العالم.

وأكدت المؤلفة في الفصل الثاني من كتابها أن قرار المجمع الفاتيكاني الثاني بتنصير العالم كان مسألة لا رجعة فيها، وهو إصرار يلتقي مع تعصب السياسة الأمريكية وإصرارها على قيادة العالم، وهذا يعنى إخضاع العالم لنظام سياسي واقتصادي واحد بزعامة أمريكا، ونظام ديني واحد بزعامة كاثوليكية الفاتيكان.

واعتبرت المؤلفة الحرب الأمريكية على العراق نموذجًا للتبشير الجديد، واستندت فيما ذهبت إليه على ما أعلنته الصحافة الغربية، ومنها صحيفة"لوموند"الفرنسية في أبريل 2003 في مقال تحت عنوان"المبشرون المهديون في شاحنات الجيش"، وقالت؛ إن (المبشرين يعسكرون على أبواب العراق) .

ومن عجائب الأمور؛ أن العلمانيين المستغربين في بلادنا بعد أن كان بعضهم يرقص إعجابا بتمرد الغرب على سلطان الكنيسة إذا به ينحني إجلالا أمام نشاط الكنيسة في ميادين السياسة التي ذكرناها، كأنما هم يتحركون بالروموت كونترول من الجهات التي استلبتهم.

يقول الكاتب الصحفي والباحث الإسلامي الأستاذ فهمي هويدي تعليقا على هذه الظاهرة:(كنت أقول إن مثقفينا انبهروا بالغرب حينما تمرد على سلطان الكنيسة ودعا إلى فصل الدين عن السياسة، وهاهم أنفسهم اليوم - حوالي 1988 - يطلون علينا منبهرين بالغرب، حينما ألقي بالدين في قلب العمل السياسي والنضالي في ظل دعوات لاهوت التحرر ولاهوت التنمية.

في انبهارهم الأول كانوا يرددون أن"ما لقيصر لقيصر، وما لله ينبغي أن يظل لله"، وهاهم في انبهارهم الثاني يباركون ويرددون مقولة الأب"كوتيرز"؛"أنه لابد من الربط بين ملكوت الله وبناء العالم، وأن المحبة الإنجيلية تفرض على الكنيسة الانحياز إلى جانب حركات التحرير السياسي والاقتصادي".

لأن الكلام أتى من الغرب ولم يأت من الشرق فقد بدا حكمة تطرب لها الآذان وتصيخ لها الأسماع والأفئدة، حتى غدا تديًّن العمل النضالي والسياسي في أمريكا اللاتينية نموذجا يتطلع إليه الجميع بكل الإعجاب ويلاقي كل الإطراء، وينصح أمثالنا بدراسة تلك التجربة الفذة والتعلم منها واحتذائها) [الأهرام 8/ 3/1988] .

لقد بينا تداخل المفاهيم الدينية في بنية الدولة في الغرب وخططها السياسية بما يدحض دعاوى العلمانية في استبعاد الدين من أجل التقدم قدوة بالغرب في زعمهم.

وبينا أنه في علاقة الغرب بنا كانت حروبهم معنا دينية، ليس ذلك فحسب في حروبهم التاريخية المتقادمة ضدنا في الحروب الصليبية، أو في حروبهم ضد المسلمين في الأندلس، ولكن في حروبهم التنصيرية ضد المسلمين في عقر دار العصر الحديث، عصر التنوير والحداثة.

وبينا في المقال الراهن نشاط كنائس الغرب في مجال السياسة نشاطا يلقى الاحترام والاعتراف والتقدير من الجماهير والرأي العام وأصحاب النفوذ على السواء.

هذا هو التلاحم الصريح بين الدولة والدين في دول تصدر العلمانية إلينا عن طريق مكاتب السمسرة الثقافية.

وكما يقول الأستاذ فهمي هويدي: (إنه لعبث منكور وخطيئة لا تغتفر أن يتجه البعض في العالم إلى توسيع نطاق القاعدة الإيمانية لتشمل التنمية والتحرر بينما تنطلق بعض الأصوات عندنا داعية إلى تقليص تلك القاعدة، بل وعاملة بدأب مدهش على تقويضها وتفريغها في كافة عناصر الحياة والفاعلية التي تتوافر لها كي يظل الإيمان في حدود محيط القلب والروح والقيم الخلقية الفردية) .

هكذا دسوا فينا العلمانية بإبرة ملوثة بفيروس الإيدز الثقافي، وبعد أن اطمأنوا إلى ما قامت به من تصفية دمائنا، أعلنوها دينية في الولايات المتحدة، وأعلنوها دينية في الاتحاد الأوربي، ومهدوا لذلك بأن أعلنوها دينية في الكيان الصهيوني.

والله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت