الصفحة 11 من 46

أولًا؛ تحقيق مبدأ الردع:

يشير النص القرآني إلى أن الغرض الأول من امتلاك القوة هو إلقاء الرهبة في قلوب الأعداء، {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] ، فامتلاك القوة يجعل الجماعة المسلمة مهيبة في عيون العدو، ومن تم يَنظر إليها على أنها ذاتُ وزن في عالم الواقع. مما يدفعه إلى تقديرها واحترام إرادتها، أو على الأقل يكبح فيه جماح الاعتداء عليها، لأنه يعلم أنها تملك قوة الدفاع عن النفس، وأنها قادرة على الرد. وبهذا يصبح امتلاك القوة أداة لحماية الجماعة من محاولات الأعداء الهادفة إلى اقتلاعها من الواقع، وهذا ما يعرف اليوم بـ"القوة الرادعة".

وتنطلق الجماعة المسلمة في حرصها على امتلاك القوة الرادعة من إيمانها العميق بحقيقة النوايا المبيتة عند العدو، وأنها نوايا شريرة تهدف إلى القضاء على الوجود الفعلي للجماعة المسلمة، إما عن طريق عمليات التصفية والإبادة، وهو ما يبدو جليا في مساعي التحالف الدولي للقضاء على الإسلام (يسمونه الإرهاب) ، قال تعالى: {إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً} [التوبة:8] . وإما عن طريق تدجينها وإفراغها من هويتها الحقيقية بواسطة أساليب الضغط التي يمارسها القوي على الضعيف، ليبقى وجودها - في الأخير - وجودا صوريا، وليصبح إسلامها نسخة معدلة جينيًا في مختبرات البيت الأبيض وأوكار وزارات الداخلية، قال تعالى: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة:2] ، وهي إشارة واضحة إلى أن الغرض من بسط اليد واللسان بالسوء (الضغط) هو التنازل عن المبادئ، والانحراف بالجماعة عن خط الإسلام الأصيل إلى إسلام وظيفي لا يهدد الأنظمة الطاغوتية.

وفي كلتا الحالتين لابد من القوة التي تحمي الوجود الفعلي للجماعة المسلمة، فمبدأ"القوة الرادعة"قاعدة أساسية في العلاقات بين كل القوى التي تريد الحفاظ على كيانها، بل هو الموجه الحقيقي الذي يحكم هذه العلاقات، ولذلك تتسابق الدول والجماعات إلى امتلاك كل ما تستطيع من عناصر القوة، وإلى تطويرها لتتلاءم مع متطلبات العصر، لأن هذا هو الذي يتيح لها فرض إرادتها من خلال الهيبة التي تتمتع بها في الواقع. بل يرى الخبراء"أن القوة وحدها هي التي تضمن بقاء الدولة، وأنه بمقدار ما لدى الدولة من قوة يتحدد وضعها في العلاقات الدولية، وعلى هذا الأساس انقسم العالم إلى دول صغرى ودول كبرى، وسيطرت الدول الكبرى على العلاقات الدولية" [1] .

(1) العلاقات الدولية العربية [ص: 29] ، د محمد غانم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت