ولا داعي إلى استدعاء أهمية السلام ومحاولة الاعتراض بها على السير في هذا الاتجاه، لأن النوايا المبيتة عند العدو والتي أخبرنا بها الوحي {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ} ، ويشهد بها الواقع في تجلياته اليومية تجعل من هذه المحاولة نوعا من"التخريف الفكري"، وتضعها في دائرة الاتهام بالعمل على تزييف الوعي الإسلامي، لأنه قد ظهر - بجلاء - أن العدو إنما يريد من خلال حديثه عن السلام إشاعة حالة الاسترخاء بين المسلمين، وبث الوهن في إرادتهم، ليتمكن هو من بسط نفوذه وإحكام سيطرته بأقل الخسائر الممكنة، أو ربما بدون خسائر أصلا، في حين"أن العلاقات الدولية في المفهوم الوضعي تقوم على القوة وفرض السيطرة رغم ما يدعي أصحابها من دعاوى السلام" [1] .
كما أنه لا داعي إلى استدعاء ما يعرف ب"قوة الحق في مقابل حق القوة"، فإننا في عالم الواقع ولسنا في عالم الأماني، وعالم الواقع يقول لنا إن قوة الحق إذا لم يصاحبها حق القوة تبقى عبارة عن أفكار نظرية لا يمكن أن تجد لها مكانا على أرض الواقع، أو في أحسن أحوالها تتطور إلى حالة صوتية لا تستطيع الحد من استعلاء الباطل المدجج بالقوة، ولا أن تردعه عن الاعتداء.
أضف إلى هذا أن الحق المجرد من القوة لا يملك فرصة التأثير الكامل على النفوس، لأن الباطل يستغل القوة في إضفاء الشرعية على نفسه، من خلال صناعة الأفكار التي تخدم اتجاهاته، وعن طريق الضغط على المؤسسات التشريعية التي تسن له من القوانين ما يوافق رغباته، في عملية"مفبركة"تجعل من فرعون داعية الهدى {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29] ، وتضع موسى في دائرة الاتهام {أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26] ، وهي العملية نفسها التي تكرس اليوم وضع الولايات المتحدة كدولة لها الحق في التدخل في شؤون الآخرين، ولها الحق في أن تستثنى من المحاسبة .. بل لها الحق في كل شيء، لأنها - بما تملكه من أدوات الضغط - لا تجد صعوبة كبيرة في إضفاء الشرعية على الموقف. ولعل في القولة الأسيفة للوط عليه السلام {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّة} [هود: 80] ما يعظنا بأنه لا غنى لقوة الحق عن حق القوة.
ثانيًا؛ تحقيق القدرة على الجهاد:
الأمة الإسلامية أمة مجاهدة، ولجهادها دوافع وأهداف تجعله قائما إلى يوم القيامة، إلاّ أن إيماننا بهذه الحقيقة لا يعني أيّ نوع من أنواع التواكل أو الاسترخاء، فقد أشرنا مرات عديدة إلى أن الانتقال إلى دائرة العمل متوقف على امتلاك الإرادة القوية والقدرة الكافية،
(1) العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية [ص: 57] ، سعيد عبد الله حارب المهيري.