الصفحة 13 من 46

وأنه بغير هذين المقومين معا لا يمكن أن يتحقق العمل. والجهاد شأنه شأن باقي الأعمال، يحتاج إلى إرادة قوية وإلى قدرة كافية. ومع أننا نركز على أهمية الإرادة إلاّ أننا لا نهمل دور القدرة في الانتقال إلى دارة الفعل.

وإذا كانت المعرفة بحكم الجهاد وفضله وآثاره، والحياةُ في أجوائه وبين رجاله كافيةً لإنشاء قوة الدافع - الإرادة - نحوه، كما هو معروف وملاحظ عند شريحة واسعة من المسلمين، فإن الذي يجب أن لا نغفل عنه هو أن الإرادة وحدها لا تكفي لتحقيق الجهاد على أرض الواقع، إذ لابد معها من وجود القدرة الكافية، لأنها هي التي تدخِل العمل في دائرة الاستطاعة، ولهذا جاء الأمر الصريح بإعداد القوة، باعتباره واجبا شرعيا من شأنه أن يشكل المقدمات المناسبة لتحقق الجهاد، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة} ، لأن هذه القوة التي نحصلها عن طريق الإعداد هي التي تشكل مقومات القدرة على الجهاد، وبدون هذه المقومات يبقى"الإيمان"بالجهاد عبارة عن رغبات وأماني طائرة يصعب جدا أن تتحول إلى عمل.

ولعل هذا هو السر في بقاء البعض بعيدا عن دائرة الممارسة الفعلية للجهاد رغم"إيمانهم"به وانتسابهم إليه، إذ يلاحظ أن هناك أعدادا من المسلمين لا تعدم الرغبة في الجهاد، ولكنها في واقع الأمر بعيدة عن الأداء الذي يدخلها في دائرته، لأنها كلما تذكرت الجهاد عزّت نفسها بعدم القدرة عليه، مما يقلب الانتساب إلى مجرد تحسر بارد يتجسد في مجموعة من الآهات الطويلة التي لا قيمة لها في عالم الواقع.

ولذلك ينظر الإسلام إلى التكاسل في امتلاك القوة على أنه دليل على غياب الإرادة الحقيقية للجهاد، حتى وإن وجدت الرغبة!! لأن الإرادة الصادقة هي تلك التي تتحرك في اتجاه صناعة القدرة، من خلال العمل على توظيف وتطوير الإمكانات المتاحة، قال تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّة} [التوبة: 46] ، وهو نص يهدد المتكاسلين في قضية الإعداد بخطر الوقوع في النفاق، رغم ما قد يدّعونه من الإيمان، لأن المسألة أكبر من الادعاءات الكلامية التي تفتقر إلى الأدلة العملية.

ثالثًا؛ فتح أبواب الهداية:

هداية الناس إلى الحق هو جوهر الوظيفة الحضارية للأمة الإسلامية، ووجودها وفاعليتها رهن بهذه الوظيفة، وقديما قال الصحابي: (جئنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله) . ومن تم يجب على الأمة أن تولي هذه المهمة المكانة اللائقة، بحيث تضعها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت