على رأس الأهداف المسطرة لحركة التغيير، وأن تعمل باجتهاد على توفير العوامل المساعدة على تحقق الاستجابة لرسالة الدعوة.
وفي هذا السياق يأتي دور امتلاك القوة، كأحد هذه العوامل وأكثرها تأثيرا في حصول غاية الهداية، لأن القوة التي تكون بيد الجماعة المسلمة تشعر المدعويين بإمكانية الحماية من الضغوط والإكراهات التي تمارسها القوى الجاهلية على المستجيبين للدعوة، خاصة عندما نستحضر أن هذه الاستجابة تعني الاستمساك بالعروة الوثقى، وهو ما تعتبره الجاهلية بداية للحرب وإن لم تكن معلنة، قال تعالى: {فمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة: 256] ، الأمر الذي يفرض أهمية امتلاك القوة كأداة تساعد على فتح أبواب الهداية أمام الشريحة الواسعة من الناس.
ومن المعلوم أن هذا الهدف إنما يتحقق - على الوجه الكامل - في حالة الدولة، لأنها الواقع الذي تتجسد فيه الحماية بشكل واضح، قال تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} [النصر: 1] وهو ما يزيد من أهمية الحرص على إقامة دولة الإسلام، وينبه على أن الغفلة عن العمل في هذا الاتجاه تعد خيانة لغاية الهداية.
لكن التحقق الكامل للهدف في ظل الدولة لا يعني التقليل من شأن الأثر الذي يحدثه امتلاك القوة في تحقيق غاية الهداية في مرحلة ما قبل الدولة، إذ يكفي في ذلك أنها تحفظ للحق هيبته وتفرض على الجميع احترامه، مما يشجع الناس على الإقبال عليه ويدعوهم إلى الارتباط به، فإذا أضيف إلى هذا ما للقوة من السحر في إحداث الانجذاب نحو من يملكها كان التأثير بإذن الله.
كما أن امتلاك الدعوة للقوة يحدث عند المدعو حالة من التواضع أمام مضمونها (الحق) ، وهو ما يسقط عنده ستار الغشاوة التي ينشئها التكبر، والذي غالبا ما يكون من الصفات المصاحبة للملأ، ولعل في قصة سليمان وتجربته الدعوية مع بلقيس ما يشير إلى ذلك، فقد كان استعراضه لمظاهر القوة التي يملكها وسيلة إلى انكسار كبريائها أمام دعوة الحق، وهو ما دفعها - بعد أن تلقت مجموعة من الرسائل الصامتة - إلى أن تقول: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] .
إنه لا غنى لحركة التغيير الإسلامي عن امتلاك القوة، لحماية نفسها أولًا، ولنصرة الدين بالجهاد ثانيًا، ولتيسير سبل الهداية للناس ثالثًا، ولعل في هذا ما يدل دلالة قاطعة على أن خط الطائفة المنصورة بما يمثله اليوم من الحق المحاط بالقوة يعد الطريق الذي لا بديل عنه في التمكين للدين.