الصفحة 15 من 46

إلى هنا لم أتكلم عن المقصود بالقوة ولم أحدد عناصرها، لأنني أردت فقط أن أقرر التصور الإسلامي لوظيفة القوة، لنتفق على المبدأ أولًا، أما الباقي فنتركه للمقال المقبل إن شاء الله.

تعيش الأمة الإسلامية في المرحلة الراهنة حالة ارتباك على مستويات متعددة، منها ما هو فكري ومنها ما هو نفسي ومنها ما هو سلوكي، ولكل واحد من أنواع الارتباك هذه تأثيره السلبي على حاضر الأمة، وعلى مستقبلها كذلك، وكلٌ منها ساهم - ولازال يساهم بشكل أو بآخر - في صناعة الواقع المرّ الذي يعانيه المسلمون في هذه المرحلة. لكنني أعتبر أن أخطرها وأشدها تأثيرا هو الارتباك الفكري، لأنه هو المسؤول عن ضبابية الصورة - أو ربما انقلابها - في وعي الإنسان [انظر"مفاهيم ينبغي أن تصحح"للأستاذ محمد قطب] ، مما يؤدي إلى تأسيس الموقف على تصور هلامي تطغى عليه ثقافة الألفاظ المبهمة، وترسم ملامحه أفكار عائمة أخَصُّ ما يميزها أنها تحرص على الابتعاد عن التحديد الدقيق للدلالات التي تحملها المفاهيم المشكّلة لبنية التصور.

خذ مفهوم القوة مثلا، وهو - كما تبين لنا في المقال السابق - من المفاهيم الأساسية في بنية التصور الإسلامي، وتأمل كيف صارت صورة التعامل السائد مع هذا المفهوم مثالا حيا لحالة الارتباك الفكري.

فالبعض - مثلا - يجعل القوة محصورة في معاني القوة الروحية، بما تعنيه من كمال الاستحضار والارتباط بالمعاني الغيبية، ومن تم يصبح إعداد القوة عنده عبارة عن سلسلة لا متناهية من جلسات التربية الصوفية التي تجري وراء"الحال".

وبعض آخر يرى أن القوة الحقيقية هي قوة العقل، ومن تم فإن عملية إعداد القوة معناها تدريب عضلات الدماغ على حل المعضلات الفلسفية، للوصول إلى امتلاك القدرة على إقناع الآخر - العدو -!! وبعض ثالث يختزل المفهوم في الجانب الاقتصادي، ومن تم فإن إعداد القوة يعني عنده الاستغراق في تهيئ إمبراطورية اقتصادية تضاهي أقوى اقتصاد في العالم.

ورابع يضيق واسعا فلا يستحضر من عناصر القوة إلاّ الأداة العسكرية، وخامس وسادس .. إلخ. مما يدل على أننا - في هذا الموضوع - أمام حالة واضحة من الارتباك الفكري، أرى أنها من أكبر العوائق التي تواجه مسيرة العمل الإسلامي في المرحلة الراهنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت