ويرجع هذا الارتباك إلى الابتعاد عن المصدر الصحيح للتلقي - الوحي - وعن المنهج السليم للفهم - منهج أهل السنة - إذ من السهل جدا أن نلاحظ عند كثير من"المفكرين"نوعا من التدخل للأهواء البشرية عند عملية تحديد دلالات المفاهيم، بل إن هذه العملية - في كثير من"الاجتهادات"- لا تعدو أن تكون تقديرات مزاجية تفتقر إلى أبسط المعايير المنهجية، بحيث تكون المسألة خاضعة أولا وأخيرًا للأجواء النفسية، أو في أحسن الأحوال للخلفية الفكرية مستمدة بشكل سافر من المنظومة الجاهلية، وحتى إذا جيء بالنص المقدس فسوف يتم استدعاءه فقط ليقوم بدور أسلمة المعرفة، شاء النص أم أبى، حتى وإن أدى هذا التعسف إلى تأويلات بعيدة وآراء شاذة، لأن المهم عند أصحاب هذا التوجه هو عدم الخروج عن الأعراف الدولية.
على أيٍ، لكي نسد الباب أمام الآراء المزاجية نحتاج أولًا إلى الاتفاق على إطار البحث، لأنه يشكل الأرضية التي ننطلق منها نحو تحديد المقصود بالقوة، فمعنى القوة في إطار البحث الفيزيائي شيء، ومعناها في إطار البحث القانوني شيء آخر، ومعناها في إطار البحث الاستراتيجي شيء ثالث .. وهكذا. فما الذي يشكل أرضية البحث في تحديد مفهوم القوة الذي جاء في الآية؟
الجواب يتكفل به السياق {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:60] ، أي أنها القوة التي تمكننا من مجاهدتهم، القوة التي يعَد رباط الخيل صورة لبعض عناصرها، القوة التي تحقق الردع، إنها - باختصار - القوة التي لها علاقة بالموضوع الحرب. من تم فإن إطار البحث لا ينبغي أن يبتعد عن هذا السياق، والحديث النبوي: (ألاَ إنَّ القوةَ الرمي) [مسلم] ، يرسخ هذه الحقيقة بما لا يدع مجالا للأخذ والرد.
وبناء على هذا فإن الكلمة الأولى في بيان معنى القوة تكون للفكر الاستراتيجي، لأنه هو صاحب الشأن في هذا المجال، ونحن مطالبون بأن نسمع للخبراء في هذا الباب.
وإن من الخطأ الفادح ما نراه من كلام البعض في فن الحرب بعقلية فن الدعوة والتربية!! وكم يكون الموقف هزيلًا عندما يأتي"الشيخ"الذي لا علاقة له بالحرب - لا دراسةً ولا ممارسة - ليتكلم عن مسألة التكافؤ والتوازن ... إلخ، وليقرر من خلال هذيانه أن نتيجة المعركة مع أمريكا محسومة، وأن الحكمة تكمن في الاستعاضة عن منطق القوة بقوة المنطق.