وإذا كنا قد بينا فساد هذا النوع من التفكير من خلال تبيين أهمية القوة في المقال السابق، فإن أهم ما نقصده هنا هو تسليط الضوء على هذا المفهوم، وبالضبط قوة الجماعة، في محاولة لتحديد معناه عن طريق إبراز المعالم العامة والعناصر الأساسية التي تشكل حقيقته، دون الدخول في التفاصيل والمفردات الجزئية، لأنها من اختصاص الفكر الاستراتيجي [1] .
على أن نتناول هذه المعالجة من خلال تقسيم القوة إلى نوعين اثنين:
أولًا؛ القوة المعنوية:
تتشكل القوة المعنوية من ثلاثة عناصر أساسية:
1)الإرادة العالية:
لأن الإرادة هي التي تشكل قوة الدافع نحو العمل، فتنقل الإنسان من دائرة الجمود والسلبية إلى دائرة الحركة والإيجابية، وتمكنه من توظيف الإمكانيات التي بين يديه، وعندما تكون هذه الإرادة عالية، بحيث تصل إلى مستوى العزيمة، فإنها تقرب المسافة بين الواقع والأمل، وتذلل الصعاب بفعل الإصرار على الوصول إلى الهدف، وكأنها طاقة تنطلق من الداخل لتدفع - دائما - في اتجاه صناعة القدرة، وهذا بالضبط ما يفتح أمام الجماعة آفاق الاستفادة من كامل المعطيات التي يتيحها الواقع، بعيدا عن نفسية الوهن التي تكبل الطاقة وتلاحق الفكر بالحسابات التشاؤمية.
ومن هنا نفهم لماذا أخضع طالوت جنود جماعته للامتحان قبل الدخول في المواجهة، قال تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} [البقرة:249] ، لأنه لابد"من قوة كامنة في ضمير الجيش تقف به أمام القوة الظاهرة الغالبة. هذه القوة الكامنة لا تكون إلا في الإرادة. الإرادة التي تضبط الشهوات والنزوات، وتصمد للحرمان والمشاق، وتستعلي على الضرورات والحاجات، وتؤثر الطاعة وتحتمل تكاليفها، فتجتاز الابتلاء بعد الابتلاء .. والجيوش ليست بالعدد الضخم، ولكن بالقلب الصامد، والإرادة الجازمة" [2] .
2)البنية المتماسكة:
(1) انظر"معادلات استراتيجية"أبو عبيد القرشي. مجلة الأنصار العدد 17
(2) ظلال القرآن