الناس وإصلاح حالهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر. والتزود قبل ذلك كله للمعركة مع الشر، بالزاد الأصيل. زاد العبادة للّه والتوجه إليه بالصلاة. ثم الصبر على ما يصيب الداعية إلى اللّه، من التواء النفوس وعنادها، وانحراف القلوب وإعراضها. ومن الأذى تمتد به الألسنة وتمتد به الأيدي. ومن الابتلاء في المال والابتلاء في النفس عند الاقتضاء .. «إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» .. وعزم الأمور: قطع الطريق على التردد فيها بعد العزم والتصميم.)
فأصحاب الدعوات الذين يؤمنون بصدق دعوتهم يثبتون عليها ولا يساومون عليها في عالم التراجعات أو تحت ضغط الواقع والشدائد فلهم أسوة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم ..
فهم يعلمون أنهم ساروا في طريق قد باعوا النفس فيه لله فيقومون بأمره كما يريد الله لا كما يريدون فلا يخالفون أمره ولا يتبعون غير نهجه في صراعهم مع الباطل فالخير كل الخير في اتباع أمره تبارك وتعالى وإن بدا لهم في الظاهر المشقة والابتلاء فالله أعلم بما يصلحهم في الدنيا والآخرة وما عليهم إلا السمع والطاعة فإن في ذلك عزّ الدنيا والآخرة والحياة الكريمة في الدنيا والآخرة قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) ..
قال سيد قطب -رحمه الله-في ظلال القرآن:
(فهذا المقوّم من مقومات العقيدة هو الذي استقر في قلوب تلك الجماعة الأولى من المسلمين استقرارا حقيقيا واستيقنته أنفسهم، وتكيفت به مشاعرهم .. هذا المقوم يتلخص في أنه ليس لهم في أنفسهم شيء وليس لهم من أمرهم شيء. إنما هم وما ملكت أيديهم للّه. يصرفهم كيف يشاء، ويختار لهم ما يريد. وإن هم إلا بعض هذا الوجود الذي يسير وفق الناموس العام. وخالق هذا الوجود ومدبره يحركهم مع حركة الوجود العام ويقسم لهم دورهم في رواية الوجود الكبيرة ويقرر حركاتهم على مسرح الوجود العظيم. وليس لهم أن يختاروا الدور الذي يقومون به، لأنهم لا يعرفون