وعندما لا يكونُ يصبحُ الاجتهادُ ضروريًا، ومع الاجتهاد يحصُلُ الخلاف، الذي لا بُدَّ من التسليم بضرورته أيضًا [1] [17] .
والطريف أنّ ابن حزم (ـ 456 هـ) هو الذي أثار هذا الغبار حول تحريم الاختلاف في كلّ شيء؛ فقال في كتابه: الإحكام في أصول الأحكام: «الاختلافُ لا يَسَعُ ألبتّة، ولا يجوزُ. إنما الفرضُ علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله تعالى الذي شرع لنا دينَ الإسلام، وما صحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أمره الله تعالى ببيان الدين» [2] [18] .
وأورد ابن حزم حُججًا عقليةً ونقليةً للقائلين بالاختلاف ثُمَّ راح يَرُدُّ عليها. ولذلك فقد التزم كلُّ الذين احتجوا للاختلاف والاجتهاد بالردّ عليه، أو على من لا يقول بجواز الاختلاف. وكان من بين هؤلاء ابن عبد البر في"جامع بيان العلم وفضله"، والخطيب البغدادي في"الفقيه والمتفقّه"، والآمدي في"الإحكام"، وابن قيّم الجوزية في"إعلام الموقّعين".
والواقعُ أنّ إثارة المشكلة أتت من مكانٍ آخَر هو قولُ عبيد الله بن الحسن العنبري (ـ 168 هـ) إنّ كلَّ مجتهدٍ مُصيب، وهذا إقرارٌ من جهةٍ بأنّ الاختلاف جائزٌ مطلقًا، ومن جهةٍ أُخرى أنه لا خطأ أو صواب في الاجتهاد، وإنما تتساوى الآراء صحةً لتساوي العقول، وانفتاح المجال في ما لا نصَّ فيه. ولذلك انصبَّ جهد أُصوليي الفقهاء على الرد عليه، باعتبار أنَّ الحقَّ في واحد، مع حصول الأجر للمجتهد المخطئ كما يردُ في الحديث المعروف [3] [19] .
ومع جواز بل ضرورة الاختلاف في الفروع، يبقى أنّ هناك اختلافًا مذمومًا لا ينحصرُ في القول إنه غير جائزٍ في الأصول؛ هو الاختلاف المتأثّر بالأهواء أو بالجهل أو عدم وصول الدليل أو التأويل البعيد أو المخالف لدليلٍ قطعي أو لأحد الأصول المقطوع بها في الشريعة. وقد ركّز الشاطبي في"الموافقات"على هذا النوع من أنواع الاختلاف المردود في الفتاوى؛ فقال: «لا يجوزُ ولا يسوغ ولا يحل لأحدٍ أن يفتي في دين الله إلاّ بالحقّ الذي يعتقد أنه حقٌّ، رضي بذلك من رضيه، وسخطه من
(1) [17] محمد الروكي: نظرية التقعيد الفقهي، مرجع سابق، صص 215 - 219.
(2) [18] ابن حزم: الإحكام في أصول الأحكام، 5/ 840 - 846.
(3) [19] محمد بن الحسن الحجوي: الفكر السامي في الفقه الإسلامي. اعتنى به أيمن صالح شعبان، دار الكتب العلمية، بيروت 1995، 4/ 504.