الصفحة 5 من 11

أما في المرحلة الثانية فقد بدأ التقعيد الفقهي والأصولي (الأدلَّة والقواعد) ، ولذلك اتجه الفقهاء للإفادة من الفرصة، أي اتجه كل مذهبٍ للإفادة من المذهب الآخر. وعاد الاشتباك في المرحلة الثالثة لإثبات الوجود والاستتباب في الأوقاف وفي المدارس وفي ولاية القضاء .. الخ [1] [13] .

ثانيًا: مشروعية الاختلاف:

يقول الشافعي (ـ 204 هـ) في الرسالة [2] [14] : «قال: فإني أجد أهل العلم قديمًا وحديثًا مختلفين في بعض أمورِهم، فهل يسعُهُمْ ذلك؟ قال؛ فقلتُ له: الاختلافُ من وجهين أحدُهما مُحَرَّمٌ، ولا أقولُ ذلك في الآخَر. قال: فما الاختلافُ المحرَّم؟ قلتُ: كلُّ ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيّه منصوصًا بيّنًا، لم يحلّ الاختلاف فيه لمن علمه. وما كان من ذلك يحتمل التأويل ويُدْرَكُ قياسًا فذهب المتأوّل أوالقايسُ إلى معنىً يحتمله الخبر أو القياس، وإنْ خالفه فيه غيره؛ لم أقل إنه يضيقُ عليه ضيق الخلاف في المنصوص. قال: فهل في هذا حجةٌ تبيّن فرقك بين الاختلافين؟ قلتُ، قال الله في ذمِّ التفرق: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} [3] [15] . وقال جلَّ ثناؤه: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [4] [16] . فذمّ الاختلاف في ما جاءتْهم به البيّنات. فأمّا ما كُلّفوا فيه الاجتهادَ فقد مثلْتُهُ لك بالقِبلة والشهادة وغيرها ... » .

وبذلك يكونُ الشافعيُّ قد أقرَّ الاختلافَ الاجتهاديَّ في الفرُوع، وهو ما كان يقومُ به هو نفسُه، وذمّ الاختلاف في الأصول والعقائد. والحَكَمُ عنده بين الأمرين في وجود النصّ أو الدليل أو عدمه. فعندما يكونُ هناك نصٌّ محكم لا يجوزُ الاختلافُ حوله،

(1) [13] مصطفى سعيد الخن: أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، 1985، ص 314 - 316.

(2) [14] الشافعي: الرسالة، تحقيق: أحمد شاكر، 1940، ص 560 - 561.

(3) [15] سورة البينة: 4.

(4) [16] سورة آل عمران: 105.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت