سخطه. وإنما المفتي مُخْبرٌ عن الله تعالى في حكمه، فكيف يخبر عنه إلاّ بما يعتقد أنه حكم به وأوجبه، والله تعالى يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [1] [20] . فكيف يجوزُ لهذا المفتي أن يفتي بما يشتهي أو يفتي به عمرًا لصداقةٍ تكون بينهما أو غير ذلك من الأغراض؟ وإنما يجب للمفتي أن يعلم أنَّ الله أمره أن يحكم بما أنزل الله من الحقّ فيجتهد في طلبه، ونهاهُ أن يخالفه وينحرف عنه. وكيف له الخلاص مع كونه من أهل العلم والاجتهاد إلاّ بتوفيق الله وعونه وعصمته» [2] [21] .
هناك ثلاثة أسبابٍ رئيسةٍ للاختلاف الفقهي، تتفرع عليها فروعٌ كثيرة.
1)يتصل السبب الأول: بلغة النصّ، والاختلاف في معنى المفرد أو الجملة، كما الاختلاف في اعتبار المجاز والحقيقة. فقد اختلف الفقهاء في مُراد الشارع من لفظ القُرء في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [3] [22] ؛ إذ إنّ لفظ القرء مشتركٌ بين الطُهر والحيض، والفقهاء متباينون في عدة المطلَّقة وهل تكونُ بالحيض أم بالطُهر. فالمدنيون قالوا إنّ عدة المطلقة تكون ثلاثة أطهار ـ والعراقيون قالوا إنها ثلاث حيضات [4] [23] .
(2) [21] الشاطبي: الموافقات 4/ 90.
(3) [22] سورة البقرة: 228.
(4) [23] ولي الله الدهلوي: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، راجعه وعلّق عليه: عبد الفتاح أبوغدة. دار النفائس، 1978، ص 21 - 23. وابن السيد البطليوسي: التنبيه على أسباب الاختلاف، صص 32 - 33. وقارن بطه جابر العلواني: أدب الاختلاف في الإسلام، المعهد
العالمي للفكر الإسلامي، 1987، صص 105 - 110. ويريد الدكتور جمال الدين عطية في التنظير الفقهي، صص 146 - 150 أن يُلحق بكتب الاختلاف كُتب تخريج الفروع على الأصول وأشهرها مؤلَّفات الزنجاني والدبوسي والإسنوي وأنا أرى أنها تتنوع. فمنها ما يدخل في كتب الاختلاف العادية الدبوسي مثلًا، ومنها ما يتعلق بالآليات، والعلاقة في الحقيقة بين الأدلة والقواعد، وهي لا تدخل في مسائل الاختلاف التي نعالجها هنا.