والمالكية، من جهةٍ ثانية. وينصرف ابن عبد البر (ـ 464 هـ) على دراسة المسائل نفسها في المذهب المالكي (اختلاف مالك وأصحابه) [1] [9] .
ويريد دارسون مُحْدَثون أن يردُّوا هذه الاختلافات الفقهية إلى عهود الصحابة والتابعين. بمعنى أنهم يذهبون إلى أنَّ ما اختلف فيه الصحابةُ في المدينة انعكس في مذهب مالك، وما اختلف فيه ابن عباس مع غيره من الصحابة والتابعين بمكة، ظهر في فقه عمرو بن دينار وعطاء بن أبي رباح، وما اختلف فيه فقهاء الكوفة ظهر في فقه أبي حنيفة .. الخ [2] [10] .
والذي أراهُ أنّ الأمر جرى على غير هذا النحو. فقد كان الصحابة والتابعون يختلفون في المسألة أو المسألتين الاجتهاديتين، ويحصل اتِّفاق بعد ذلك أو لا؛ دون أن يؤثر ذلك كثيرًا فيهم. مثل إصرار عمر بن الخطَّاب على عدم قسمة الأَرَضين المفتوحة عنوةً بين المقاتلين، وجعلها خراجًا للمسلمين. ومن مثل إصرار ابن عباس على إباحة ربا الفضل. ومن مثل اختلافهم في توريث الإخوة مع الجدّ؛ حيث ذهب أبو بكر وجماعةٌ معه إلى توريثهم قياسًا على الأب؛ بينما ذهب علي وابن مسعود وزيد بن ثابت إلى عدم توريثهم [3] [11] .
ولا نرى علاقةً قويةً بين اختلاف الصحابة والتابعين من جهة، واختلافات القرنين الثاني والثالث. ففي تلك الفترة التي سميناها مرحلةً أولى (150 ـ 250 هـ) كانت التوجهات الفقهية في الأمصار، تتحول إلى مذاهب فردية (حنفي ومالكي وأوزاعي وشافعي وحنبلي وزيدي وإباضيّ .. الخ) [4] [12] ؛ فكانت وظيفةُ التأكيد على الاختلاف إيضاح حدود المذهب أو تحديد الطابع العامّ له من طريق التمايُز.
(1) [9] لدينا أيضًا من القرنين الخامس والسادس: الإشراف لعبد الوهاب المالكي، وهو كتاب ممتازٌ في الفقه المقارن، والإفصاح والإشراف للوزير ابن هبيرة. ولدينا أيضًا كتاب المُغني المشهور لابن قُدامة الحنبلي.
(2) [10] هذا هو تصور ابن الشيخ في: مراعاة الخلاف، مرجع سابق، صص 22 - 25، ومحمد الروكي: نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء، 1994، صص 187 - 212.
(3) [11] اختلاف الفقهاء للطبري، ص 124، والقوانين الفقهية لابن جزي، ص 211، ونيل الأوطار للشوكاني 5/ 191، والموافقات 4/ 112.
(4) [12] وائل حلاّق: النظريات الفقهية الإسلامية بالإنجليزية، 1997، صص 223 - 246.