هناك مثلًا كتاب الفقيه الحنفي محمَّد بن شجاع الثلجي (ـ 256 هـ) في ذكر المسائل التي اختلف فيها شيخاه: أبو يوسف (ـ 182 هـ) ، وزُفر بن الهُذَيل (ـ 158 هـ) . أمّا محمَّد بن نصر المروزي (ـ 294 هـ) ، فقد أَلّف"اختلاف الفقهاء"ليوضح أنّ أبا حنيفة الكوفيَّ الذي يردُّ معظمَ فقهه إلى عليّ وابن مسعود؛ قد خالفهما في كثيرٍ من المسائل (على أبواب الفقه) .
ويذكر ابن النديم في:"الفهرست"كتابًا لزكريا الساجي يسمّيه:"اختلاف الفقهاء"؛ ولم يصل إلينا. إنما أشهرُ ما وصل من تلك الفترة قطعتان من كتاب محمَّد بن جرير الطبري (ـ 310 هـ) الكبير المسمَّى:"اختلاف الفقهاء"أيضًا. ومن الحقبة نفسها وصلت ثلاثة كتبٍ في الاختلاف لأبي بكر محمَّد بن إبراهيم بن المنذر (ـ 319 هـ) هي"الإشراف على مذاهب أهل العلم"، و"الأَوسط في السُنن والإجماع والاختلاف"، و"اختلاف العلماء". وصنّف الطحاوي الحنفي (ـ 320 هـ) كتبه المشهورة في الاختلاف:"شرح معاني الآثار"، و"اختلاف الفقهاء"؛ ويقعُ كلٌ منها في عدة مجلدات [1] [8] .
وتختصُّ المرحلة الثالثةُ (في ما بين القرنين الرابع والسادس) بانقلاب الاختلاف من فقهٍ مقارن إلى جَدَلٍ عنيفٍ أو هادئ؛ من مثل كتاب أبي الليث نصر بن محمَّد السمرقندي (ـ 373 هـ) :"مسائل الخلاف"أو"مختلف الرواية"، وكتاب الفرَّاء (ـ 450 هـ) :"الخلاف الكبير"، وكتاب القدوري الحنفي (ـ 428 هـ) :"التجريد"، وكتاب البيهقي (ـ 458 هـ) :"الخلافيات". وأشهرُ خلافيات هذه الفترة:"بداية المجتهد"لابن رشد (ـ 595 هـ) ، وكتب الغزالي (ـ 505 هـ) :"مآخذ الخلاف"، و"لُباب النظر"، و"تحصين المآخذ"، و"المبادئ والغايات".
والمُلاحظ أنّ أكثر كتب الحقبة الثالثة هذه تركّزُ على الخلاف بين الحنفية والشافعية في سائر أبواب الفقه ـ في حين يعمل أبو زيد الدبّوسي الحنفي (ـ 430 هـ) على إيضاح الخلاف داخل المذهب الحنفي من جهة، وبين الأحناف والشافعية
(1) [8] مقدمة الدرة المضيئة لإمام الحرمين الجويني تحقيق: عبد العظيم الديب وقد استقصى فيها ثمانين كتابًا في الاختلاف قطر 1397 هـ. وقارن بجمال الدين عطية: التنظير الفقهي، مرجع سابق، ص 138 - 141. وكان Kern قد حاول تتبع كتب الاختلاف الفقهي أيضًا في
مقدمته على قطعةٍ من"اختلاف الفقهاء"للطبري.