قبل بيان الحكم في هذا الموضوع نمهد له ببيان بعض ما يتعلق بقاعدة المصالح والمفاسد فنقول: إن واجب الستر فيما تقدم قد يترك لما هو أوجب منه، وذلك (لأن الشريعة الإسلامية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وأنها ترجح خير الخيرين وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما) [1] .
قال ابن القيم: (النبي - صلى الله عليه وسلم - شرع لأمته إيجاب المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان يبغضه ويمقت أهله [2] .
فالشريعة الإسلامية جاءت بالعناية بالمصالح العامة, وتقديمها على المصالح الخاصة, كما اهتمت برفع المفاسد العامة, وإن تضمن ذلك مفسدة خاصة فالعناية بالأغلب والأعم هو المقدم.
وحق الإنسان في حفظ سره يجب أن لا يتضمن ضررا على فرد آخر, فإن حفظ حق أحدهما ليس أولى من حفظ حق الآخر, والمذكور فرع عن تطبيق قاعدة المصالح والمفاسد, فيفشي سر المريض إذا تضمن درء مفسدة أو جلب مصلحة عامة [3] .
قال العز بن عبد السلام: «الستر شيمة الأولياء ويجوز إفشاء السر إذا تضمن مصلحة أو دفع ضرر» , وقد كشف يوسف عليه السلام سر المرأة التي راودته فقال: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} (يوسف 26) (ليدفع عن نفسه ما قد يتعرض له من قتل أو عقوبة) [4] .
(1) مجموعة فتاوى ابن تيمية, أحمد بن تيمية ج 2 ص 48.
(2) إعلام الموقعين ابن القيم ج 3 ص 4.
(3) أسرار المرضى هاني بن عبد الله بحث مقدم إلى المؤتمر العالمي عن أخلاقيات مهنة الطب من منظور إسلامي, المنعقد في جده ص 9 وما بعدها.
(4) القواعد للعز بن عبد السلام ص 100.