الشاطبي في اكتشافه، فإنه أيضا فتح على الإمام ابن عاشور في جعله فنا يكاد يستقل بنفسه، إذ لم يكتب عليه كتاب مستقل، قبل كتابه الذي بتحقيق الشيخ محمد الحبيب أصبح موسوعة مقاصدية، ثم حذى حذو الطاهر بن عاشور المرحوم علال الفاسي، فلقد انفرد كل واحد منهما بتخصيص كتاب للمقاصد، وإن كانت مواضيع الشيخ الطاهر أكثر تخصصا في ضبط مصطلح المقصد، من تلك التي عند علال لمزج المرحوم علال الفاسي أحيانا يبن المقصد وغيره من مباحث الأصول الأخرى. مثلا عند ما قال:"الإسلام دين الفطرة: سبق أن بينا معنى الفطرة، وأنها الجبلة والغريزة [1] ، فلقد أبدع رحمه الله في تحليل هذا الموضوع وجمع كل شتاته وبين كثيرا من أحكامه ولكن ذلك أتى استطرادا في موضوع المقاصد بتحليل تعدى المطلوب من ذكره هنا."
هذا الكلام يثبت أن علال الفاسي كان قمة في استيعاب مفهوم المقاصد وأعطاها تعريفا دقيقا، وبوبها تبويبا جيدا، وكتب نظرة تاريخية موجزة، ومشحونة بالمعلومات، ولكن إبراز المقاصد كعلم يتعامل معه بذاته، وإعطاء أوصاف لمشمولاته غير مسبوقة، والأمانة العلمية في ذكر الآراء المختلفة والحديث عنها، بقيت من بين مميزات كتاب الشيخ الطاهر قدس الله مثواه.
هذا أوردناه تعليقا على تناول الشيخ الطاهر للأقوال المختلفة ليبرز ابتكار الشاطبي لتقعيد علم المقاصد، وإن كانت وردت إيماءات تدل على شعور الأصوليين بضرورة التعامل معه، وعدم الوصول إلى إبرازه منهجا مستقلا عن غيره من العلوم الأخرى.
(1) مقاصد الشريعة للمرحوم علال الفاسي. ص 65.