قال الحافظ الذهبي في السير (12/ 492) : الإمام العلامة، فقيه المِلَّة، عَلَم الزهاد، أبو إبراهيم، إسماعيلُ بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم المُزَني المصري، تلميذ الشافعي.
مولده في سنة موت الليث بن سعد؛ سنة خمس وسبعين ومائة.
حدّث عن: الشافعي، وعن علي بن مَعْبَد بن شَدّاد، ونُعيم بن حمّاد، وغيرهم.
وهو قليلُ الرواية، ولكنه كان رأسًا في الفقه.
حدّث عنه: إمام الائمة أبو بكر بن خُزيمة، وأبو الحسن بن جَوْصا، وأبو بكر بن زياد النَّيْسابوري، وأبو جعفر الطَّحَاوي، وأبو نُعيم بن عَدي، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبو الفوارس بن الصابوني، وخلق كثير منالمشارقة والمغاربة.
وامتلأت البلاد بمختصره في الفقه، وشَرَحَه عدة من الكبار، بحيث يقال: كانت البِكْر يكون في جهازها نسخة بمختصر المزني [3] .
أخبرنا عمر بن القوّاس، أخبرنا زيد بن الحسن كتابة، أخبرنا أبو الحسن بن عبد السلام، حدثنا الفقيه أبو إسحاق قال: فأما الشافعي رحمه الله فقد انتقل فقهُه إلى أصحابه، فمنهم أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني، مات بمصر في سنة أربع وستين ومئتين.
قال: وكان زاهدًا عالمًا مناظرًا مِحْجاجًا غوّاصًا على المعاني الدقيقة.
صنف كتبا كثيرة: الجامع الكبير، والجامع الصغير، والمنثور، والمسائل المعتبرة، والترغيب في العلم، وكتاب الوثائق.
قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي.
قلت: بلغنا أن المزني كان إذا فَرَغ من تبييض مسألة، وأودعهامختصره، صلى لله ركعتين.
وروي أن القاضي بكّار بن قتيبة قدم على قضاء مصر، وكان حنفيًا، فاجتمع بالمزني مرة، فسأله رجل من أصحاب بكار، فقال: قد جاء في الأحاديث تحريم النبيذ، وجاء تحليلُه، فلم قدَّمتم التحريم؟ فقال المزني: لم يذهب أحدٌ إلى تحريم النبيذ في الجاهلية ثم حُلِّل لنا، ووقعَ الاتفاقُ على أنه كان حلالًا فحُرِّم، فهذا يعضد أحاديث التحريم. فاستحسن بكار ذلك منه.
قلت: وأيضًا فأحاديث التحريم كثيرة صحاح، وليس كذلك أحاديث الإباحة.
قال عمرو بن تميم المكي: سمعت محمد بن إسماعيل الترمذي قال: سمعت المزني يقول: لا يصح لأحد توحيدٌ حتى يعلم أن الله تعالى على العرش بصفاته. قلت له: مثل أي شيء؟ قال: سميع بصير عليم [4] .
قال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: أخبرنا محمد بن عبد الله بن شاذان، سمعت محمد بن علي الكتاني، وسمعت عمرو بن عثمان المكي، يقول: ما رأيت أحدًا من المتعبدين في كثرة من لقيت منهم أشدَّ اجتهادًا من المزني، ولا أَدْوَمَ على العبادة منه، وما رأيت أحدًا أشدّ تعظيمًا للعلم وأهله منه، وكان من أشد الناس تضييقًا على نفسه في الوَرَع، وأوسعه في ذلك على الناس، وكان يقول: أنا خُلُقٌ من أخلاق الشافعي.
قلت: وبَلَغَنا أن المزني رحمه الله كان مجاب الدعوة، ذا زُهدوتَأَلُّه، أخذ عنه خلق من العلماء، وبه انتشر مذهب الإمام الشافعي في الآفاق.
يقال: كان إذا فاتته صلاة الجماعة صلى تلك الصلاة خمسا وعشرين مرة.
وكان يغسل الموتى تعبُّدًا واحتسابًا، وهو القائل: تعانيت غسلالموتى ليرق قلبي، فصار لي عادة، وهو الذي غَسّل الشافعي رحمه الله.
قال ابن أبي حاتم: سمعت من المزني، وهو صدوق. وقال أبو سعيد بن يونس: ثقة، كان يلزم الرباط.
توفي في رمضان لست بقين منه سنة أربع وستين ومئتين، وله تسع وثمانون سنة.
قلت: ومن جلة تلامذته العلامة أبو القاسم عثمان بن بشار الأنماطي شيخ ابن سريج، وشيخ البصرة زكريا بن يحيى الساجي.
ولم يَلِ قَضاءً، وكان قانعًا شريف النفس.
[3] ذكر الذهبي في تاريخ الإسلام (23/ 103) أن أبا زرعة الدمشقي قد عيّن مائة دينار جائزة لمن يحفظ مختصر المزني، وهو الذي أدخل مذهب الشافعي إلى دمشق وحكم به القضاة، وكان الغالب عليها قول الأوزاعي.
[4] قلت: للإمام المُزَني رسالة معروفة اسمها شرح السنّة، طُبعت مرارًا، وأجودُها بتحقيق أخينا الشيخ الفاضل جمال عزّون وفقه الله ورعاه.