أحدَهما: الجري على قاعدة العلماء المتقدمين والسلف الصالح من المفتين، أنّهم لا يُزيدون في أكثر فتاويهم على لا، أو نعم.
والثاني: أنّ العامة لا يميزون من الصحة في النقل والسقم، وإذا اختلفت الرواية عندهم في المنقول مع قصر أفهامهم والعقول، ربما دخلهم شكٌّ في الأمور النقليّة، وظنوا أنّ المنقولاتِ كلَّها على ذلك مبنيَّة، فرأيتُ الاختصارَ في الفُتيَا أولى، والاقتصارَ على ما يحصل به الفرضُ أحسنُ قولًا، ثم بلغني بعدُ أن هذه المنازعةَ وقعت بين يدَي مولانا السلطانِ الملكِ الناصرِ صلاحِ الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، ناصرِ الحقِّ بالبراهين، أبي المظفر يوسف ابن الملك العزيز محمد بن الملك الطاهر [2] غازي بن الملك الناصر يوسف بن أيوبناصر أمير المؤمنين، أعز الله سلطانه، بحاضر [3] أعوانه، ورفع به زينة العلم وأعلى شانه، ولا زالت العلوم في أبابيهمرفوعة المنار، محمودة الآثار، محميّة الأرجاء والأفكار، مخجلة [4] بطيب عرقها، ودرّ عُرفها أرج القُطُرِ وجود القطار [5] ، ولا فتئ مجلسه الكريم مشحونًا بالعلماء وأهل الرتب، معمورًا بمذاكرة العلم والأدب، مقصودًا لأولى التحق [6] منهم والطلب، وأحضر إليّ جواب كتبه إليه بعض الفقهاء المقيمين تحت ظله الظليل بالشهباء، وزاد في الجواب على ما في السؤال، وبسط القول في الخطاب وأطاله، وابتدأ في الكلام والأنقال، فأجبته إلى مأموله على سبيل الاختصار، وأسعفته بمسئوله من غير جنوح إلى الاعتذار، عالمًا أن إجابة من يسأل شيئًا من العلم لازمة بالاضطرار، فإنه قد ورد في الأحاديث النبوية أن «من سئل [3/أ] علمًافكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار (من النار) [7] » .
ثم رأيت في جوابه عدة أوهام، لا تخفى عن أولي البصائر والأفهام، وقد استعظم ما أتى به من الكلام، وأشار إلى أنه أنفق [8] في التطلع إلى العلوم سائر الأنام، معرّضًا بي وبمن وافقني في الفتيا من العلماء الأعلام، فابتدرت له عند ذلك مباريًا، وانتصبت لغرضه راميًا، وقلت مخاطبًا له ومناديًا، أذكرتني الطعن وكنت ناسيًا، إن كتمت ذلك فأنا بلجام من النار ملجَم، والبادي بانتقاص غيره أظلم، وها أنا أشرع في ذكر الخبرين وإيرادِهما، وسَوْقِهما على ما جاءت به الرّواية بإسنادِهما، وتبيين وجهِ السّقم فيهما والضعف، وتقريب ثمرة الجني منهما عند القطف؛ لأن الإسناد في الحديث، مميز للطيب من الخبيث،
[2] هكذا بالأصل.
[3] هكذا بالأصل.
[4] هكذا بالأصل.
[5] هكذا بالأصل.
[6] هكذا بالأصل.
[7] هكذا بالأصل.
[8] هكذا بالأصل.