إنَّنا في زمان اغْتَرَّ أهلُه بكل ناعق , وترقَّبُوا الغيْثَ من كُلِّ بارِق , وكادت تَنطَمِسُ معالمُ الرَّشاد , لِمَا ظهر من تبجُّح الفَسَاد , الذي آن له أن تُرجَمَ شياطينُه , وتُهَدَّ أساطينُه , وتُذَلَّ سلاطينُه , وتُدْحَض قوانينُه , وأَوْلَى النَّاس بالقيام بذلك العلماء.
ونظرًا لمكانة العلماءِ في نُفوس الناس قد لا يتصوَّرُ الكثيرُون أنَّ من بينهم من يُساهم في تَلميع البَاطل وهو من حُلِيِّ الأدلَّةِ عَاطِل.
ومع أنَّ اللهَ تعالى قال: [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ] [1] .
إلا أنَّه جاءَت الثَّوراتُ وفَرَضَت هيَ الأخرى على العلماء آراءَ حاسِمَةً ومواقفَ صارمة.
وفي الوقت الذي تقول الدَّولةُ فيه إنها تفتح أبوابَ حُرِّية التَّعبير, وتُرَحِّبُ بكُلِّ نَقْدٍ , ولا تُصادِرُ أيَّ رَأْي , كنَّا نرقُبُ منَ العُلماء رأيًا في ميزان الحق , أو موقفًا في جانب العَدل , حتَّى لا يَكُونوا مِن الَّذين أَلْبَسُوا الباطلَ حُلَّة مُزيَّفَة لبَّسُوا بها على النَّاس , ومَنَعَت الظّالمين من الإحساس, فكلَّما رأى الحاكمُ رأيا أيَّدُوه , وكلَّما دعا لأمْر أكَّدُوه , ولا يَعْجِزون عن إتحافه بالشَّرعية , وإن صَبَّ جحيما على الرَّعية , وهذا ما ظهر بِجَلاء في تونس ومصر وليبيا وسوريا وغيرها , حتى وقَعَتْ صناعةُ الطُّغيان , الَّذي لا يزال أَثَرُهُ التَّدمِيريُّ ظاهرا.
وليست بلادُنا بعيدةً عن ذلك فقد صَنَعَ فيها كثيرٌ من الشَّعب قدْرًا كبيرا من الطُّغيان والاستبداد , بسَبَبِ النِّفاق والجَهل وهَشاشة المبادئ وضعف الهِمَم.
وقد جَمعتُ في هذا الموضُوع جَمْعًا آثرتُ فيه إظهارَ الدَّليل على بَسْط القيل, لأنه بجمع الفوائد وضَبْط القَواعِد , تُفهم المعاني وتُدْرك المباني, فاختصرت منه طرفا هنا.
إنه نظرا لما تُخلِّفُه أخطاءُ العالم من آثار , وما تَبُثُّه في كيان الأمَّة من انهيار , وجب عليه التَّحرِّي في أقوالِه حتَّى لا يَزٍلَّ ويَسيرَ النَّاسُ على مِنْوَالِه , وهذا ما حاد عنه أغلبُ العلماء اليوم , رغم دعوة الشَّريعة إليه وتأكيد علماء الحق عليه.
(1) (آل عمران 187) .