الصفحة 15 من 26

3 -القول بكراهة التداوي مطلقًا: ونسبه ابن عبد البر في التمهيد إلى جماعة من أهل العلم والأثر، وذكر منهم داوود الظاهري، فقالوا: على المؤمن أن يترك ذلك اعتصاما بالله وتوكلا عليه، إذ قد علم الله أيام الصحة وأيام المرض، فلا تزيد أيام الصحة بالعلاج ولا تنقص بتركه [1] .

ونسب القرطبي أيضا هذا القول إلى جماعة من جلة العلماء [2] .

واحتج أهل هذا القول بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المتقدم في صفة الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عقاب، وبحديث المرأة المستكشفة التي أرشدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصبر، وقد تقدم تخريجهما، وبما فعله ابن مسعود وأبو الدرداء رضي الله تعالى عنهما من إعراضهما عن الدواء وتفويضهما الأمر إلى الله [3] .

ولا يخفى ما في استدلال هؤلاء من الضعف إذ ليس فيه دليل صريح، ولا نهي من الشارع وإنما هو مجرد ظواهر تدل على أن ترك التداوي أولى، تعارضها نصوص أخرى صحيحة صريحة جاء فيها الأمر بالتداوي أحيانا، والإرشاد إليه أحيانا، وتعاطيه أحيانا أخرى، فمن لم يراع هذه النصوص ولم يعطها حظا من الاعتبار حالة الاستدلال لا بد أن يكون استدلاله ناقصا وحجته ضعيفة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن التوكل الذي اعتمدوا عليه في استدلالهم ليس التداوي منافيا له لأن محل التوكل القلب ومحل التداوي الجوارح فلا تعارض بينهما لاختلاف محليهما، فالتداوي سبب من الأسباب العادية كشرب الماء للعطش وصب الماء على النار لإطفائها، وتعاطي الأسباب مع الاعتماد على الله وحده والثقة به وعدم الالتفات إلى الأسباب بالقلب لا منافاة بينه وبين التوكل.

وقد بين - صلى الله عليه وسلم - أن الدواء من قدر الله كما أن المرض من قدر الله ففي حديث أبي خرامة عن أبيه: قلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها أو دواء نتداوى به هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: (هي من قدر الله) ، رواه الترمذي وقال حديث حسن [4] .

(1) ابن عبد البر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: (5/ 265 - 266) ط: الأولى نشر وزارة الأوقاف المغربية.

(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (10/ 138) دار الكتاب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة 1387 هـ.

(3) ابن عبد البر: التمهيد (5/ 269) المرجع السابق.

(4) سنن الترمذي (3/ 270) المرجع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت