الصفحة 16 من 26

فالطريق المستقيم إلى الاستدلال الصحيح في هذا الموضوع سلوك سبيل الجمع بين ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من الأمر بالتداوي والإرشاد إليه، وما ثبت عنه من الإرشاد إلى ترك الإسترقاء والاكتواء [1] ، وإرشاده المرأة التي تصرع إلى الصبر [2] ، وما ثبت عن بعض الصحابة من ترك التداوي ويمكن الجمع بين ذلك كله بإرجاعه إلى الأسباب المستخدمة في العلاج كما نحا إليه الغزالي في الإحياء حيث ذكر أن تلك الأسباب بعضها مقطوع بنفعه، وبعضها مظنون، وبعضها موهوم، فالموهوم كالاسترقاء والكي وهو الذي يشترط تركه في التوكل لأن الاتكال إلى هذا النوع في غاية التعمق في ملاحظة الأسباب، ولذلك وصف - صلى الله عليه وسلم - المتوكلين بترك هذا النوع.

وأما المقطوع به كالماء للعطش والخبز للجوع فلا ينافي التوكل ويحرم تركه عند خوف الموت.

وأما المظنون كالفصد والحجامة وشرب الدواء وسائر أبواب الطب التي هي أسباب ظاهرة ففعله ليس مناقضا للتوكل فلا هو كالموهوم، وتركه ليس بحرام فلا هو كالمقطوع به [3] .

وقد ذكر الإمام أحمد ما يدل على أن ذلك يرجع إلى اعتقاد الشخص إذ كان يقول: أحب لمن اعتقد التوكل وسلك هذا الطريق ترك التداوي من شرب الدواء وغيره [4] .

أما الجمع بين أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعله وبين ترك بعض الصحابة العلاج فيمكن أن يكون لصارف صرف هؤلاء عن العلاج، والصوارف كثيرة منها حصول الظن أو القطع بأن هذا الدواء لا ينفعه، ومنها الاشتغال بالنفس والخوف

(1) تقدم تخريجه.

(2) تقدم تخريجه.

(3) حجة الإسلامي الغزالي: إحياء علوم الدين: (14/ 21) ط: دار الأوقاف والشؤون الإسلامية بدبي.

(4) حجة الإسلام الغزالي: إحياء علوم الدين: (14/ 26) المرجع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت