فقه تقييد المباح
الكاتب: ياسين بن علي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
شاع في الأزمنة الأخيرة أمر الاستدلال ببعض القواعد الشرعية كقاعدة"حيث المصلحة فثمّ شرع الله"، وقاعدة"الضرورات تبيح المحظورات"، وقاعدة"المشقة تجلب التيسير"، وقاعدة"لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان"، وقاعدة"للإمام تقييد المباح"وغير ذلك من القواعد التي يستدلّ بها ويعتمد عليها بعض المسلمين، وبعض العلمانيين أيضا. ولهذا التوافق في استعمال هذه القواعد دلالته، إذ إنّ من القواعد ما يهدم الدّين باسم الدّين، ومنها ما يعطّل الشرع باسم الشرع، هذا إذا استعملت دون ضوابطها وقيودها التي حرّرها واضعوها وفق منهجية شرعية مضبوطة بأدلة شرعية وقواعد كلّية قطعية لا يعتريها الخلل.
لقد كانت عناية أهل العلم بتقعيد القواعد عناية فائقة لما في هذا العمل من شأن عظيم في تطوير الفقه وتنميته، حتى قال القرافي رحمه الله في (الفروق) :"وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف، فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجذع، وحاز قصب السبق من فيها برع". ومن تمام العناية بالقواعد تحرير ضوابطها وقيودها حتى لا تعطّل النصوص، وتخلّ بأصل شرعي أو بحكم شهد النصّ به ظنّا أو قطعا أو بإجماع استقر الرأي عليه من لدن الصحابة إلى يومنا هذا. فليس الأمر كما يظنّ بعض من لا خلاق له بخلو من الضوابط والقواعد، فيستباح حمى هذا الدّين، ويهرف من لا يعرف بما لا يعرف.
وسأتناول في هذا المقام قاعدة ساء استعمال الناس لها، فأبطلوا بموجبها جملة من الأحكام الثابتة، وحرّموا من خلالها ما أحلّ الله تعالى لعباده بنص صحيح صريح لا ينكر ولا يردّ، ألا وهي قاعدة:"للإمام تقييد المباح منعا وإلزاما".