يجاوزها، ثم انصرف قافلًا إلى المدينة، وكان في الطريق ماء يخرج من وشل، ما يروي الراكب والراكبين والثلاثة، بواد يقال له وادي المشقَّق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سبقنا إلى ذلك الوادي فلا يستقينّ منه شيئًا حتى نأتيه، قال: فسبقه إليه نفر من المنافقين، فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقف عليه، فلم ير فيه شيئًا، فقال من سبقنا إلى هذا الماء؟ فقيل له: يا رسول الله فلان وفلان فقال: أولم أنههم أن يستقوا منه شيئًا حتى آتيه، ثم لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا عليهم ..."فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب ماء وادي المشقق، حتى يأتيه، لأن شرب بعض الناس منه يؤدي إلى ضرر الآخرين."
الضابط الثاني: أن يكون المباح مما جعل للإمام حق التصرّف فيه بسياسته واجتهاده، كأن يكون متعلقا بشؤون الدولة الخاصة بها كالشؤون المتعلقة بالجيش، أو كإلزام موظفي الدولة بأوقات معينة وأعمال مخصوصة، أو كتنظيم المرافق والأموال العامة من مثل الفيء والغنائم، أو كتحديد أساليب ووسائل معيّنة لتنفيذ ما أنيط بالدولة من واجبات كجمع الزكاة وتوزيعها. والأدلة على هذا كثيرة منها أن النبي عليه السلام حمى النقيع، واسترجع منجم الملح الذي أقطعه أبيض بن حمال بعدما تبيّن له أنه بمنزلة الماء العد فهو من الملكية العامة، ووزع أموال حنين على المهاجرين والمؤلفة قلوبهم واستثنى الأنصار، وأمر بجعل الطريق الميتاء سبعة أذرع لتنظيم السير فيها، وغير ذلك من التصرفات التي تحدّد طبيعة تقييد المباح وما للإمام الاجتهاد فيه.
وعليه فإنّ ما سلف ذكره يبيّن لنا أنّ إذن الشارع للإمام بتقييد المباح يتعلّق بمجال مخصوص وأحوال مخصوصة وليس بمطلق كما يظنّ بعض الناس.
نتعرض هنا إلى مثال يتجلّى فيه سوء الفقه والتطبيق لهذه القاعدة، وهو مثال الزواج بأكثر من واحدة. حيث سنّت الدولة التونسية قانون منع الزواج بأكثر من واحدة، وبرّر لها بعضهم هذا القانون بقوله"للإمام تقييد المباح"، إلا أنّ هذا التبرير باطل ولا أساس له من الصحة، وذلك لأنّ الله عزّ وجلّ يقول: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى