أَلاَّ تَعُولُوا (النساء 3) . فالشارع قد أباح الزواج بأكثر من واحدة بنصّ قطعي الثبوت قطعي الدلالة، فلا يحوز للإمام أن يمنع هذا المباح، وإلا عطّل النصّ، وحرّم ما أحل الله.
فمسألة الزواج مسألة لا تخضع لمجال تقدير الإمام ورعايته، إنما هي تتعلّق بالفرد، إن شاء عدّد وإن شاء اكتفى بواحدة. ولو أجزنا للإمام التدخل في هذا الشأن، لأجزنا له التدخل في غير ذلك من الشؤون الفردية. فالله عزّ وجلّ يقول: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} (المائدة 88) ، فهل يحوز للإمام أن يتدخل في شأن الفرد فيلزمه بنوع من الأكل ويمنع عليه آخر؟ إن هذا مما لا يحوز باتفاق؛ لأنّ الله لم يأذن للإمام بذلك، وترك هذا الشأن للفرد.
هذا أمر، والأمر الآخر أننا إذا أجزنا للإمام أن يقيّد المباح بالمنع، فمعناه أننا أجزنا له أيضا أن يقيّده بالإلزام. والمعنى من هذا، أننا لو أجزنا أن يمنع الإمام التعدّد، لأجزنا أن يلزم به، وهو باطل لا يقول به أحد، وإذا بطل الإلزام بطل المنع.
وأما ما يقوله بعض الناس من أنّ التعدّد قد ينتج عنه ضرر، فباطل بالمشاهد المحسوس من واقع الحال، إذ المنع يؤدي إلى الزنا والفاحشة، وهل نقرّ بتعدّد الخليلات، ونمنع تعدّد الحليلات؟
وكذلك ما يدّعيه بعضهم من أن الزواج بأكثر من واحدة يترتب عليه ظلم للمرأة لانعدام العدل خصوصا في هذا الزمن، فهو باطل؛ لأنّ العدل، بغض النظر عن قضية اشتراطه في الزواج أو عدم اشتراطه، مطلوب في الزواج بواحدة أو بأكثر من واحدة، ولو جاز للإمام منع التعدّد بتعلة انعدام العدل، لجاز له منع الزواج أصلا وهو باطل، ثمّ إذا ثبت الظلم في زواج معيّن فللإمام أن يمنع ذلك الظلم، لا أن يمنع الزواج مطلقا.
لذلك فإنّ هذا القانون باطل، والشرع منه براء. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» . (متفق عليه)