واجتهاده، كالتنظيمات الإدارية المتعلقة بالمؤسسات والطريق العام وغير ذلك، أما بقية الأحكام المتعلقة بالناس فلا دخل للإمام فيها ولا يحقّ له تقييدها أو تعطيلها؛ لأنها ليست داخلة ضمن حدود صلاحيته، وليست مما أعطاه الشرع حقّ التصرّف فيها أو النظر، فلا يحقّ للإمام أن يلزم الفرد بشرب القهوة دون الشاي، أو بزواج فلانة دون علانة أو غير ذلك.
ونفصّل فيما يلي ضوابط تقييد الإمام للمباح وفق الحالات التي أقرّها الشرع:
الضابط الأول: ليس للإمام أن يمنع جنس المباح بل له فقط أن يمنع الفرد من أفراد المباح. ذلك أن جنس الإباحة ثبت بالدليل الشرعي وأقرّه الله سبحانه وتعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} (يونس 59) . وأخرج مسلم عن أَنَسٍ أَنّ نَفَرًَا مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - سَأَلُوا أَزْوَاجَ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عِنْ عَمَلِهِ فِي السّرّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ أَتَزَوَجُ النّسَاءَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا آكُلُ اللّحْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنّي أُصَلّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوّجُ النّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنّتِي فَلَيْسَ مِنّي» .
وأما منع الفرد من أفراد المباح في حالة معيّنة، ولوقت معيّن، فجائز. وللفقهاء في هذا قاعدة مفادها:"كل فرد من أفراد الأمر المباح إذا كان ضارا حرم ذلك الفرد، وظل الأمر مباحا".
ودليل هذه القاعدة هو ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحِجر، وهي منازل ثمود قوم صالح، واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا (استراحوا في العشية) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشربوا من مائها شيئًا، ولا تتوضؤوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئًا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له .. » (السيرة لابن هشام) فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء بئر الحِجر لأنه ضار بعينه، وأما جنس الماء فظل مباحا بالدليل العام. وكذلك إن كان التصرف بشيء من الأشياء المباحة يؤدي إلى ضرر الآخرين، فإن هذا الشيء يكون حراما في هذه الحالة أيضا بنص القاعدة ذاتها، ففي السيرة لابن هشام:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بتبوك بضع عشرة ليلة لم"